"لبنان تحت وطأة التضخم وأثره على الاقتصاد والمواطنين"

العميد المتقاعد وليد شيّا 5/2/2025
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان، سجل معدل التضخم في عام 2024 نسبة 45.24% وفقاً لتقرير إدارة الإحصاء المركزي. هذا الرقم يعكس التحديات الاقتصادية الكبيرة التي يعاني منها اللبنانيون، ويزيد من وطأة الأعباء المعيشية عليهم وتأكل الرواتب مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل متسارع حيث يصبح من الضروري التفكير في تدابير عاجلة للتخفيف من تداعيات هذه الأزمة.
ويؤثر التضخم بشكل كبير على القدرة الشرائية للمواطنين، حيث يصبح من الصعب على الأفراد تلبية احتياجاتهم الأساسية نتيجة لزيادة الأسعار المتواصلة. هذا التضخم يوسع الفجوة بين الدخل والنفقات، حيث لا يتناسب الدخل الثابت مع الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة. ويترتب على ذلك تدهور في مستوى المعيشة وارتفاع كبير في نسبة الفقر، مما يشكل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
وفي ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، بدأت تظهر بعض الآمال لدى اللبنانيين بعد انتخاب رئيس جديد وتكليف شخصية موثوقة بتشكيل الحكومة. يأمل المواطنون أن تتمكن الحكومة الجديدة من وضع استراتيجيات فعّالة للحد من التضخم وتحقيق استقرار اقتصادي، وهو ما قد يسهم في تخفيف الضغوط عن كاهل المواطنين وتحسين الوضع المعيشي في البلاد.
إلا أن الأمل بدأ يتضاءل سريعاً مع دخول المحاصصة السياسية في عملية تشكيل الحكومة وتأخير ولادتها، حيث بدأ الحديث عن تقاسم الوزارات وتوزيع المناصب، وهو ما أعاد إنتاج نفس الممارسات التي أدت إلى تفاقم الأزمة في الماضي. ومع تزايد الإحباط الشعبي بسبب بطء الإجراءات وعدم وضوح الرؤية المستقبلية، بدأ التساؤل عن مدى قدرة الحكومة الجديدة على مواجهة التحديات الاقتصادية الهائلة وتحقيق الإصلاحات التي ينتظرها اللبنانيون بشغف.
حيث اعتقد البعض أن هذه الخطوات قد تساهم في إعادة بناء الثقة وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي طال انتظاره.
.
من الأسباب الرئيسية وراء استمرار هذه الأزمة المالية هو تراجع قيمة الشرائية لليرة اللبنانية مقابل الدولار الأمريكي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد المستوردة بشكل كبير. بالإضافة إلى ذلك، ساهم غياب سياسات اقتصادية فاعلة وغياب حكومة مستقرة في تعميق الأزمة، حيث لا توجد استجابة سريعة وفعّالة للتحديات الاقتصادية الحالية.
وفي ظل هذا الوضع، يبرز السؤال: ما الحلول التي يمكن أن تساهم في تخفيف حدة التضخم وتداعياته على اللبنانيين؟ من بين الحلول المقترحة بعد قيام حكومة جديدة حقيقية فاعلة بعيد عن المحاصصة وشعارها المحاسبة والشفافية ومنها:
- إصلاح القطاع المالي: العمل على استقرار الليرة اللبنانية وتثبيت سعر الصرف من خلال تدابير مصرفية مدروسة.
- دعم القطاعات الإنتاجية: دعم الصناعات المحلية والزراعة لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتحفيز الإنتاج الوطني.
- تحفيز الاستثمار: جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية لتعزيز الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة .
- إقرار حزمة من الإجراءات الاجتماعية: مثل زيادة الدعم المباشر للفئات الأكثر فقراً وتوفير مساعدات عينية للمواطنين المتضررين.
- إصلاحات هيكلية في الحكومة: ضرورة تشكيل حكومة فاعلة قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية لمعالجة الأزمة الاقتصادية بشكل شامل.
ختاماً، ورغم التحديات العديدة التي يواجهها لبنان في مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هناك بصيصاً من الأمل في إمكانية الخروج من هذه الأزمة المعقدة. هذا الأمل لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال اتخاذ خطوات إصلاحية جادة ومؤثرة تلامس الواقع اللبناني وتخاطب مشاكله المزمنة. فعلى الحكومة الجديدة أن تكون أكثر من مجرد هيئة تنفيذية وفقا للمحاصصة، بل يجب أن تتحمل مسؤولية تاريخية في إحداث تغييرات جذرية في النظام الاقتصادي والسياسي، وتنفيذ إصلاحات عاجلة تشمل جميع القطاعات الحيوية..
اللبنانيون بحاجة ماسة إلى حكومة قادرة على استعادة ثقتهم، حكومة تتخذ قرارات شجاعة وتتحلى بالعزيمة لتخطي محطات الفشل السابقة. هذه المسؤولية تقع أولاً وأخيراً على عاتق المسؤولين الذين يجب أن يكونوا مستعدين لوضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر، وأن يتجنبوا المحاصصة والمصالح الشخصية التي أدت إلى تأزيم الأوضاع سابقاً..
إن النجاح في تحقيق هذه الأهداف ليس مستحيلاً، ولكن يتطلب الإسراع في تشكيل حكومة تكون قادرة على اتخاذ قرارات صعبة في الوقت المناسب، وتحقيق إصلاحات هيكلية تمهد الطريق لاستعادة النمو المستدام والاستقرار الاجتماعي. فالمسؤولية كبيرة، وأي تأخير في اتخاذ الخطوات اللازمة سيكون له تبعات خطيرة على مستقبل لبنان وأجياله القادمة وتفويت الفرصة المثالية لقيام دولة حقيقة.
- يمكن الاطلاع على الرقم القياسي للتضخم مفصلا لكل المحافظات على صفحة الانترنت الخاصة بالادارة علىwww.cas.gov.lb
Walid Chaya
Brigadier General Retired
BA Economics and Business Administration
Asset Management Expert