"سوريا بين الانقلاب المضاد والمستقبل المجهول"

العميد وليد شــيّا 9/3/2025
ما يجري في الساحل السوري، وخاصة في محافظة اللاذقية، يعكس حالة من إعادة خلط الأوراق بعد الزلزال الجيوسياسي الذي شهدته سوريا المرتبط بسقوط نظام الأسد بعد 54 عامًا من حكمه. يبرز بشكل واضح من الاحداث الأخيرة على الساحل السوري أن هناك محاولة لقيام انقلاب مضاد أو ثورة مضادة تهدف إلى قلب المعادلة التي استقرت مؤقتا على واقع جديد، مما يزيد من تعقيد الوضع في البلاد.
بعد انهيار النظام السوري الذي استمر لعقود، كان من المتوقع أن تحدث هذه الترددات او الاحداث. فالمشاهد الحالية في سوريا تمثل انعكاسا للتفاعلات الإقليمية والدولية، حيث تحاول إيران العودة لدعم بقايا النظام السوري السابق، في سياق حرب إقليمية غير معلنة تدور رحاها على الأراضي السورية. هذا التدخل الإيراني، سواء عبر دعم مباشر أو عبر حزب الله ولو بطريقة غير مباشرة، يعتبر بمثابة محرك رئيسي في هذه المعركة المستمرة من خلال احتضان لألاف الضباط للنظام السابق ضمن بيئته المتاخمة للأراضي السورية.
يضاف إلى ذلك التدخلات الأخرى، أبرزها الوجود الروسي، الذي ما زال في مرحلة غموض وانكفاء. روسيا، رغم تواجدها العسكري في سوريا، لا تملك القدرة أو الإرادة للعودة كلاعب رئيسي في الصراع السوري، حيث يقتصر دورها في الوقت الحالي على التدخل الحذر والحد من التصعيد وقد اضيف اليه ايواء الاف السوريين الهاربين من المجازر نتيجة الاحداث الاخيرة. لكن الواقع الحالي يكشف عن غياب القوة المؤثرة لروسيا، التي كانت حتى وقت قريب لاعبا رئيسيا في الساحة السورية.
مع دخول إيران على الخط، وكذلك تحركات بعض الضباط السوريين السابقين التابعين لنظام الاسد، بدأ الوضع يشهد تطورات ميدانية خطيرة. هذه الشخصيات، التي تعمل على تحريك خلايا نائمة في الأراضي السورية، وتلعب دورا في الأحداث الأخيرة التي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص حتى الان. ويُتوقع أن تستمر هذه المعركة، وأن يرتفع عدد الضحايا إلى أرقام أكبر، قد تصل الى اكثر من ثلاثة الاف قتيل، بل ربما أكثر. الوضع على الأرض أصبح أكثر تعقيدًا، خصوصًا في منطقة الساحل السوري واريافها، حيث تزداد حدة المعارك في الأراضي الجبلية الوعرة التي تسمح بعمليات عسكرية طويلة الأمد.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن لسوريا أن تبقى دولة موحدة ومركزية كما كانت؟ الإجابة على هذا السؤال تبدو صعبة للغاية في ظل الواقع الحالي. فالنزاع متعدد الأطراف، والصراعات الإقليمية والدولية على الأراضي السورية تعقّد من مسألة الوحدة. هناك معركة حقيقية من أجل فرض إرادات مختلفة على الأرض، ولا يبدو أن أي طرف قادر على حسم الوضع لصالحه في القريب العاجل.
من الواضح أن الأمور ذاهبة إلى معارك أكثر شراسة في الأيام او الأسابيع المقبلة، مع توقع سقوط المزيد من الضحايا في ظل تزايد العنف. مستقبل سوريا مجهول، والاتجاه نحو مزيد من التقسيم أو حتى استمرار المعركة على السلطة قد يكون السيناريو الأكثر احتمالًا. لا أحد يستطيع التنبؤ بمستقبل البلاد، ولكن ما هو مؤكد هو أن الصراع سيظل مستمرا، وسيكون له تداعيات طويلة الأمد على مستوى المنطقة، سواء في مستوى السيادة الوطنية أو في مجمل العلاقات الإقليمية والدولية.