صوفر نيوز Sawfar News

إخباريّة · سياسيّة · ثقافيّة · رياضيّة · إجتماعيّة

حجم الخطّ

"كمال جنبلاط: رمزية الفكرة وتحدي الزمن في ذكرى اغتياله"

"كمال جنبلاط: رمزية الفكرة وتحدي الزمن في ذكرى اغتياله"

العميد المتقاعد وليد شــيّا 15/3/2025

يصادف غدا السادس عشر من آذار، حيث مر 48 عاما على استشهاد المعلم كمال جنبلاط، أحد أبرز الشخصيات الفكرية والسياسية في تاريخ لبنان.

ومع مرور هذه الأعوام، ما زال حضوره طاغيا في الذاكرة الوطنية والثقافية، ولا يزال تركه لتلك الأسس الفكرية التي أرسى معالمها حافزا للعديد من الأجيال. كان المعلم كمال جنبلاط، شخصا ينتمي إلى زمن آخر، زمن كان فيه التنور الفكري، والتطلع إلى المستقبل، والتفاعل مع الحداثة، جزءا من شخصيته ورؤيته للحياة..

كان كمال جنبلاط، المفكر الفيلسوف والعالم في مجالات السياسة، الدين، والفكر، صاحب بصيرة تنم عن رؤية عميقة تتجاوز حدود الزمن الذي عاش فيه. قد يتساءل البعض كيف يمكن أن نُفسّر حضوره اليوم وكل يوم بعد مرور عقود من الزمن على استشهاده. الإجابة بسيطة، ولكنها عميقة في نفس الوقت: كان كمال جنبلاط رجلا من زمن آخر.

كمال جنبلاط ليس فقط زعيما سياسيا، بل مفكرا حقيقيا في كل معنى الكلمة. كانت معرفته الموسوعية تمتد عبر شتى ميادين العلوم والفلسفة والدين، ورؤيته للأمور كانت بعيدة عن التعصّب والمغالاة. تربى في بيئة مُتنوعة ثقافيًا، وحاول أن يستنبط من كل مدرسة فكرية قيمة إضافية تساهم في بناء وطن جامع للمختلفين. كان حضوره الفكري موجها بشكل خاص نحو التنوير، فقد دعا إلى العلمانية كإطار لحل تناقضات المجتمعات اللبنانية والعربية في تلك الفترة. وعندما نتحدث عن العلمانية في سياق المعلم جنبلاط، فإننا لا نعني فقط فصل الدين عن الدولة، بل أيضا احترام التنوع الديني والفكري. لقد كان يرى أن التنوير ليس فقط في انفتاح الفكر، بل في إعلاء قيمة الإنسان وحقوقه.

على الرغم من كونه ينتمي إلى تيار العلمانية، إلا أن كمال جنبلاط كان دائما متمسكا بالقيم الروحية التي تحدد الإنسان ككائن أخلاقي وروحي. كان منفتحًا على الدين، ولكنه كان يعارض تسييسه أو استخدامه كأداة للهيمنة على الأفراد والمجتمعات. فكرته عن الدين كانت تتجاوز الأطر التقليدية، حيث كان يدعو إلى تناغم بين الإنسان وإيمانه، بعيدًا عن الانغلاق الطائفي أو الإيديولوجي. كان من أوائل من نادوا بالحوار بين الأديان والفلسفات، وكان يجسد في شخصيته كل تلك الرؤى التي تسعى إلى تجاوز التفاوتات السطحية بين البشر. وكان يعتقد أن الإنسان يجب أن يسعى باستمرار للبحث عن الحقيقة والعدالة، بعيدًا عن الجمود العقائدي.

يطرح البعض سؤالا محوريا: "كيف يمكن لمفكر من زمن السبعينات أن يستمر في التأثير في عصرنا الحالي؟". الجواب هو أن المعلم كمال جنبلاط كان دائمًا ينظر إلى المستقبل أكثر مما كان يلتفت إلى الماضي. كان يفكر في كيفية تجميع مختلف التيارات الفكرية والثقافية لتشكيل مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية. هذه الرؤية، التي قد تكون غريبة عن زمننا الحالي، تظل سارية اليوم، إذ أن العديد من التحديات التي تحدث عنها لا تزال قائمة. كان في نظره، المثقف الحقيقي هو من يعمل على تحسين الواقع بدلاً من أن يعيش فيه كمتفرج.

وبذلك، يمكننا القول إن فكر المعلم كمال جنبلاط يمثل حضورا لزمان آخر. كان حلمه الأكبر هو وطن يسوده السلام الاجتماعي والعدالة، دون أن يتم استغلال الدين أو العرق في استغلال الإنسان. اليوم، قد نعيش في عالم مختلف، ولكن ما زال المعلم كمال جنبلاط يمثل في ذاكرة اللبنانيين، وفي طروحاتهم الثقافية والفكرية، رمزًا لزمان مفقود، كان فيه الإنسان هو العنصر الأهم في معادلة التغيير.

إن الذكرى الـ 48 لاستشهاد كمال جنبلاط لا تعني فقط تذكّر رجل سياسي عظيم، بل هي أيضا دعوة لإعادة التفكير في رؤيته للفكر والدين والمجتمع. نحن اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الاستلهام من فكره، لنرسم طريقًا يتجاوز حدود الانقسامات الطائفية والسياسية التي تُحيط بنا. فكر المعلم كمال جنبلاط كان يخص الجميع، وكان يسعى إلى بناء وطن أكثر إشراقا وتنوعا، وهو ما يبقى صامدا في قلوبنا رغم مرور الزمن.

العودة إلى كل الأخبار