إيران ترفض التفاوض المباشر: الموقف الثابت في ظل المتغيرات الكبرى

العميد المتقاعد وليد شــيّا – 1/4/2025
منذ عقود، رفضت إيران دائمًا فكرة التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة بشأن قضايا جوهرية، لا سيما ملفها النووي. هذا الموقف ينتمي إلى السياسة الإيرانية التقليدية التي تقوم على مبدأ المقاومة والمناورة السياسية من خلال أذرعها الإقليمية مثل حزب الله وحماس والحشد الشعبي العراقي والحوثين في اليمن، حيث كانت تستخدم هذه القوى في المنطقة لتحقيق أهدافها وتعزيز مكانتها في المفاوضات مع القوى الكبرى.
لكن اليوم، المشهد الإقليمي والدولي قد تغيّر بشكل كبير، خاصة مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. ترامب لم يكن كغيره من الرؤساء الأمريكيين، فقد اختار أن يتبع سياسة "الضغط الأقصى"، والتي شملت فرض عقوبات مشددة على إيران. هذه السياسة وضعت طهران أمام تحديات اقتصادية هائلة، جعلت العديد من المراقبين يتساءلون عن مدى قدرة إيران على الاستمرار في سياستها الثابتة ورفض التفاوض.
عند النظر إلى الأحداث الإقليمية الهامة في الفترة الأخيرة، نجد أن إيران قد خسرت بعض أذرعها الاستراتيجية. فالهزائم التي تعرضت لها حماس في غزة وحزب الله في لبنان قد أثرت بشكل ملحوظ على قدرة إيران في فرض قوتها العسكرية والسياسية في المنطقة. في سوريا، حيث كانت إيران تحتفظ بنفوذ كبير عبر دعم النظام السوري السابق، تراجعت بشكل حاد في ظل التغيرات الميدانية والانتصارات لقوى المعارضة والتي تسلمت زمام المبادرة وسيطرت على الحكم وطردت إيران وحلفائها نهائيا منها.
والأمر الأكثر أهمية هو أن الحرب ضد الحوثيين في اليمن قد شكلت تحديًا إضافيًا لإيران واخر أذرعها، حيث أصبح الصراع أطول وأعقد مما كان متوقعًا. هذه المعارك جميعا استنزفت الكثير من الموارد الإيرانية على حساب أوضاعها الاقتصادية الداخلية، وزادت من حجم العزلة الدولية التي تواجهها إيران، مما جعل موقفها في المنطقة أكثر ضعفًا.
في هذا السياق، أصبح الموقف الإيراني أكثر هشاشة، خاصة عندما يتعامل مع إدارة ترامب التي تضعها تحت ضغوط غير مسبوقة. صحيح أن إيران قد حافظت على موقفها التقليدي من رفض التفاوض المباشر، لكن الظروف الحالية قد تدفعها إلى إعادة النظر في هذا الموقف. قد تكون الفرصة للتفاوض مع الولايات المتحدة الآن هي اللحظة الحاسمة التي لا تتكرر، حيث أن تزايد الأزمات الاقتصادية والسياسية قد يضع طهران أمام خيارات صعبة.
ربما حان الوقت لإيران أن تراجع سياستها وتقبل بأن الحوار مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة قد يكون ضرورة لمنع تفاقم الأوضاع أكثر. خاصة أن المتغيرات الإقليمية، مثل تراجع القوى التي كانت تدعمها، قد تجعل هذه المفاوضات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
في النهاية، إذا كانت إيران تأمل في الحفاظ على مكانتها في المنطقة، فإن الوقت قد حان لإعادة تقييم خياراتها، فقد تكون هذه اللحظة هي الفرصة الأخيرة قبل أن تنزلق الأوضاع إلى مزيد من التصعيد الذي قد يصعب الخروج منه.