الحرب التي خسرناها جميعا ... وما زلنا نخســــر

العميد وليدشــيّا 13/4/2025
مثل هذا التاريخ من كل عام وبعد خمسين عاما، تعود الذاكرة لتطرق أبواب الحزن، وتُفتح جراح لم تندمل منذ أن اندلعت الحرب اللبنانية في 13 نيسان عام 1975. حرب لم تكن سوى بداية لانهيار طويل، خسر فيه الجميع دون استثناء. لا منتصر في حربٍ تحوّلت فيها الشوارع إلى خطوط تماس، والجيران إلى أعداء، والبيوت إلى ركام، والأحلام إلى رماد.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، لا تزال صور الأحبة الذين غابوا، وضحكات الأطفال التي سكتت، وهمسات الأمهات في لحظات الوداع الأخيرة، حاضرة في ذاكرة هذا الوطن الجريح. كأن الزمن توقّف هناك، عند أول رصاصة، عند أول جنازة جماعية، عند أول تهجير قسري.
نسأل أنفسنا، هل تعلّمنا؟ هل استخلصنا العِبر؟ والجواب، للأسف، لا يزال محبطا. فالطائفية التي مزّقتنا، لا تزال تعشش في قلوب البعض، وتحرّك مفاصل الحكم، وتُبقي البلاد رهينةً للمحاصصات والمزايدات، وكأننا لم نخرج من الحرب بعد. نحن فقط استبدلنا الرصاص بالصمت، والخنادق بالخطابات.
نعيش كل يوم حربًا من نوع آخر. حربا على الكرامة، على العدالة، على لقمة العيش. نشاهد أبناءنا يهاجرون، وآباءنا يذبلون، ومؤسسات الدولة تتآكل. كل ذلك، فيما نحمل فوق أكتافنا أثقال الذاكرة، ونسير في دروب الخوف من تكرار المصير.
ما أقسى أن يُخدع شعبه مرتين. أن يُقاد مرارا نحو الهاوية باسم الطائفة والمذهب والزعيم، بينما الوطن يُنهك ويُنهب ويُباع. وكل ذلك باسم “الخصوصية”، باسم “التوازن”، باسم شعارات باتت مجرد ستائر تخفي خلفها أطماعا لا تشبع.
لكن في القلب رغم كل شيء، لا تزال شعلة الرجاء مشتعلة. نعرف أن أبناء هذا الوطن يستحقون سلاما لا يُعاش فقط على الورق، بل في البيوت والشوارع والمدارس والمستشفيات. يستحقون دولة تحميهم، لا ميليشيا تُخيفهم. يستحقون غدًا لا يكون استنساخًا لأمسٍ مؤلم.
في ذكرى الحرب، لنتوقف قليلا. لنتأمل وجوه من فقدناهم، لنتذكر الدمار، لا لنجتره، بل لنمنعه من العودة. فلبنان لا يحتمل حربًا جديدة، ولا جيلًا جديدًا يُدفن تحت رايات الماضي.
فلنُكرم دماء من سقطوا، بصحوة ضمير، وبكلمة حق، وبتخلي عن الغرائز. لنبنِ وطنا يليق بذاكرتهم، ويستحق دموع أمهاتهم، ويمنح أولادنا شيئا من الأمل.
هذا أقل ما يمكن أن نفعله… بعد خمسين عامًا من الحماقة.