صوفر نيوز Sawfar News

إخباريّة · سياسيّة · ثقافيّة · رياضيّة · إجتماعيّة

حجم الخطّ

صوت من تحت الخوذة

صوت من تحت الخوذة

✍️ بقلم العميد المتقاعد وليد شيّا- ملحق عسكري سابق في تركيا

عشرون عاماً وأكثر يقضيها العسكري في المؤسسة العسكرية لم تكن مجرّد خدمة عادية، بل حياة صيغت بالصمت والانضباط، ورُويت بالعرق والتضحية. سنواتٌ تعلّم فيها العسكري أن الوطن لا يُختصر بخريطة أو نشيد، بل بجنديٍ يسهر كي ينام الآخرون، ويضحي كي يحيا الباقون.

في العسكر:

⏱️ الوقت له وزنه

💬 الكلمة لها ثمن

❌ والخطأ لا يُغتفر

الالتزام هو الهوية، والشرف سلوكٌ يومي، لا شعار.

ثم… يخرج العسكري إلى الحياة المدنية، ليكتشف أنها فوضى بلا قائد، بلا نظام، بلا عدالة.

كم من مرة سهر على الحواجز بينما كان الآخرون يحتفلون؟

كم ليلة قضاها في الثكنات، فيما غيره بين أطفاله؟

من بعيد كان يراهم يضحكون… وهو يحرس الطرقات التي يسيرون عليها.

لم يندم. هو وجميع رفاقه لم يطلبوا الشكر، لكن ما كان يوجعهم هو الجحود.

يُذكرون في الخطب، ويُنسَون في الموازنات.

يُرفعون في الأزمات، ثم يُوضعون على الرف حين تهدأ العاصفة.

كم مرة سمعوا السياسيين يبرّرون حرمان العسكريين: "الوضع لا يسمح"، "الموازنة لا تحتمل"...

لكن رواتب السياسيين لا تُمس، وحصصهم لا تُمس، وقصورهم لا تُباع.

أما العسكري؟ فيُصبح رقماً، يُمحى عند الحاجة.

هم أول من يُستدعى عند كل أزمة، وأول من يُضحّى به بعدها.

على مقصلة السياسة يُذبحون بصمت، بقرارات خلف الأبواب، لا يراها أحد، لكن يشعرون بألمها كل يوم.

رأوا لبنان يتعب، ينزف، ينهار… لكنه لم يسقط، لأن هناك دائماً جندياً ما يقف، حتى حين يجلس الجميع.

لم يروا لبنان الحقيقي في المنابر، بل في عيون المجندين، في دمعة أم شهيد، في ابتسامة طفل لوّح لهم من نافذته ذات دورية.

حين يحدّثهم أحد عن "لبنان الجديد"، يبتسمون بمرارة.

لأن لبنان الذي عرفوه كان دائماً يُولد من رحم المحن، لا من صالات المؤتمرات.

لبنان الحقيقي لا يُبنى بالوعود، بل بمن يسهر ليحرسه، ويؤمن به رغم الخيبات.

هم ليسوا عبئاً على الدولة…

بل هم الدولة حين تتفكك مؤسساتها.

هم الشرف في زمن البيع، والثبات في زمن الخوف، والتضحية حين تصبح المصلحة هي القانون.

لبنان، بالنسبة لهم، ليس فقط وطن.

هو خندق، هو نداء، هو قسم، هو دعاء في قلب أم، وضوء في عتمة الثكنة…

هو خطوة جندي في برد كانون.

وفي الأيام الأخيرة، وبعدما أُقِرّت الزيادة المتواضعة، ارتفعت بعض الأصوات تسأل: "لماذا؟ وهل يستحق؟"

وقد يكون الجواب في كل ما تقدّم…

في ليالٍ طويلة من السهر على الحواجز،

في بيوتٍ باردة عاشها الجنود في الثكنات،

في رواتب بالكاد تكفي، وأحذية مشقّقة ظلّت تحرس الطرقات.

في رجال حملوا الوطن على أكتافهم، حين تركه كثيرون.

في من لم يسأل يوماً: "كم سأُعطى؟" بل سأل: "ماذا أُقدّم؟"

مئة دولار ليست منّة… بل قطرة في نهر من الوفاء المُستحق.

وإن لم يُكافأ العسكري على تعبه، فمن؟ وإن لم نُعطِه حقّه، فمتى؟

لبنان وطنٌ حيّ… ما دام هناك من يُحبّه بالفعل، لا بالقول.

#لبنان_كما_رآه_العسكري #من_مذكرات_العسكر #شرف_تضحية_وفاء #صوفر_نيوز

العودة إلى كل الأخبار