صوفر نيوز Sawfar News

إخباريّة · سياسيّة · ثقافيّة · رياضيّة · إجتماعيّة

حجم الخطّ

إيران خارج معادلة التفاوض... وإسرائيل تمسك بزمام المبادرة

إيران خارج معادلة التفاوض... وإسرائيل تمسك بزمام المبادرة

بقلم العميد وليد شيّا - 14/6/2025

الهجوم المدمر الذي تعرض له المشروع النووي الإيراني مؤخراً لم يكن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل شكل نقطة تحوّل استراتيجية ستعيد رسم ملامح المشهد في الشرق الأوسط. حجم التدمير الذي طال المنشآت الحيوية جعل من البرنامج النووي الإيراني ورقة شبه محترقة، وأخرجه عملياً من طاولة التفاوض في المدى المنظور.

ما جرى، بحسب معلومات أمنية دقيقة، سيقلب موازين القوى في المنطقة رأساً على عقب. إيران التي لطالما قدّمت نفسها لاعباً محورياً في المعادلة الأمنية والسياسية، تجد نفسها اليوم أمام تحديات وجودية داخلية وخارجية. التصدعات المنتظرة في الداخل الإيراني قد تكون أشد خطورة من وقع الضربات نفسها، فالنظام الذي يستند إلى عناصر قوة إقليمية يجد نفسه اليوم محاصراً ومعزولاً، بعدما انتقلت المبادرة الأمنية إلى يد إسرائيل التي باتت الطرف الأكثر قدرة على فرض وقائع ميدانية على الأرض.

ما تشير إليه مصادر أمنية مطلعة أن الهجوم الأخير ليس نهاية المطاف. الأمور تتجه إلى تصعيد مفتوح، في ظل قناعة أميركية – إسرائيلية بأن الضغوط العسكرية المستمرة هي السبيل الوحيد لإضعاف إيران وكبح طموحاتها الإقليمية. لا مؤشرات حتى اللحظة على أي تهدئة قريبة، فالقرار الواضح هو الاستمرار حتى التحقق من تفكك الحلقة الصلبة للنظام الإيراني، أو على الأقل دفعه إلى الانكفاء الاستراتيجي.

إلا أنه، وعلى الرغم من الهجوم الكبير الذي تعرضت له إيران، لا يمكن إغفال أن طهران ما زالت تحتفظ بأوراق قوة مؤثرة، حتى وإن كانت محدودة أمام التفوق العسكري الإسرائيلي. فالإيرانيون لا يزالون يمتلكون شبكة واسعة من الأذرع الإقليمية التي يمكن تفعيلها في أكثر من ساحة، إضافة إلى ترسانة صاروخية قادرة حسب ما بدا واضحا من استهداف قبل اسرائيل باكثر من رشقة صاروخية وقدرته حتى الان على استهداف عمق الأراضي الإسرائيلية، بما في ذلك مراكز حيوية في قلب الدولة العبرية.

هذه الأوراق، وإن كانت قد تتعرض للتآكل التدريجي بفعل الضغوط المستمرة، إلا أنها تشكل مصدر قلق حقيقي لإسرائيل والولايات المتحدة. فإيران لا تزال قادرة على استخدام "حرب الوكلاء" لخلق حالة استنزاف على أكثر من جبهة، وتهديد المصالح الإسرائيلية بشكل غير مباشر. وبالتالي، حتى لو تراجعت قدرتها على المبادرة الاستراتيجية، إلا أن قدرتها على الرد والإيذاء ما زالت قائمة.

في هذا السياق، من الواضح أن هامش الحركة أمام إيران قد يضيق بشكل متسارع، وسط اشتداد الحصار العسكري والاقتصادي والدبلوماسي، ما يطرح أسئلة جوهرية عن مستقبل المحور الذي تقوده طهران في المنطقة، وعن مدى قدرة حزب الله وباقي الأذرع الإيرانية على الاستمرار بالفاعلية نفسها في ساحات كاليمن والعراق ولبنان.

إن ما بعد هذا الهجوم لن يشبه ما قبله. إسرائيل تمسك اليوم بزمام المبادرة، والولايات المتحدة تدير المشهد بدقة، فيما تتراجع قدرة طهران على المناورة. المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، ولا يبدو أن الأفق القريب يحمل أي تسوية محتملة.

العميد وليد شيا

كاتب ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية

العودة إلى كل الأخبار