من حكايا صوفر .........

صوفر… حين تنادي الذاكرة ويصحو الحنين
في هذه الصور القديمة، لا نرى مجرد محطات قطار، بل نطلّ على قلب نابض من ذاكرة الزمن الجميل… هناك حيث كانت صوفر تتنفس دخان القاطرة، وتنبض على إيقاع صافرة تصل بين الجبل والبحر، وبين الضيوف المقيمين والعابرين إلى دهشة الصيف.
محطة صوفر، كما تظهر في هذه اللقطة النادرة، لم تكن مجرّد مبنى حجريّ، بل كانت مسرحًا يوميًا لحكايات المغتربين، المنتظرين، والفرحين بالوصول. على الأرصفة، تجمّع الناس بأناقتهم، بقبعاتهم وفساتينهم، يحلمون بعطلة في الهواء العليل، أو بوداع ملوّن بالحب والحنين. كل حجر هنا شهد على قصة، وكل نافذة في تلك المحطة رأت آلاف العيون المشتاقة.
لكن صوفر لم تكن فقط محطة في سكة الحديد، بل كانت وجهة للروح، وموطنًا للرقيّ، والذوق، والدفء المجتمعي. كان صيفها مهرجانًا طبيعيًا للحياة، ومقاهيها ملتقى للأدباء، ومسارحها نبضًا ثقافيًا حيًا.
واليوم، بعد أن صمت القطار، وعَلتْ طبقات الغبار على تلك الأرصفة، تنهض الذاكرة من سباتها… فها هو المجلس البلدي الجديد، ومعه ناشطون شغوفون، يعيدون النبض إلى قلب صوفر. مشاريع ترميم، مبادرات ثقافية، إحياء للتراث، كلها محاولات صادقة لجعل صوفر تستعيد مجدها، لا كمحطة فقط، بل كعاصمة للهوى اللبناني على قمم الجبل.
إنها ليست مجرد تنمية عمرانية، بل استعادة لنبض حقيقي… لصوت القطار في الصباحات المبللة بالندى، لرائحة القهوة على شرفات الفنادق القديمة، ولذاك الإحساس بأن صوفر ليست مكانًا نمرّ به، بل زمنًا نشتاق أن نعود إليه.
هكذا تعود صوفر… لا كما كانت فقط، بل كما تستحق أن تكون.