على حافة الانفجار: صمت أميركي يشرّع أبواب التصعيد في لبنان

بقلم العميد وليد شيّا ملحق عسكري سابق كاتب في الشؤون السياسية والاقتصادية
افتتاحية صوفر نيوز – السبت 3 كانون الثاني 2026
في السياسة، كما في الحروب، لا تأتي الأحداث دائمًا من فراغ. ثمة من يقرأ التواريخ، ومن يراقب الإشارات، ومن يربط التصعيد بالمواعيد. ووفق ما يُروَّج في الأوساط الإسرائيلية، فإن “التقويم” وحده كافٍ للقول إن الحرب قادمة لا محالة. نبوءة سياسية–أمنية لا تُكتب في الغيب، بل تُصاغ عبر مزيج من القرار والفرصة واللحظة الدولية المناسبة.
التصعيد الإسرائيلي الذي استهدف أمس جنوب لبنان والبقاع أعاد فتح باب القلق على مصراعيه، وطرح مجددًا سؤالًا ثقيلًا: هل نحن أمام جولة ضغط محدودة، أم تمهيد فعلي لتصعيد أوسع لطالما بشّر به الإعلام العبري منذ اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو؟
المشهد يزداد تعقيدًا مع ما نُقل إلى بيروت عن مسؤول أميركي، أكد أن ملف لبنان لم يكن حاضرًا على طاولة البحث في الاجتماع الأول بين ترامب ونتنياهو. تصريح يزيد الغموض بدل أن يبدّده، ويفتح الباب أمام قراءتين متناقضتين:
الأولى، أن واشنطن لم تمنح بعد ضوءًا أخضر واضحًا لأي مغامرة عسكرية في لبنان.
والثانية، وهي الأخطر، أن ترك الملف خارج البحث العلني قد يعني عمليًا تفويضًا ضمنيًا لنتنياهو لتقدير التوقيت والشكل، ضمن سقف مصالحه السياسية والأمنية.
العبارة الوحيدة التي وردت على لسان الرئيس الأميركي بشأن لبنان، حين قال إن «حزب الله يتعامل بشكل سيّئ، وسنرى ما ستسفر عنه جهود لبنان لنزع سلاحه»، لا تقل التباسًا. فهي لا تحمل تهديدًا مباشرًا، لكنها لا تتضمن أيضًا أي ضمانة لردع إسرائيل. إنها مساحة رمادية تُجيد تل أبيب استثمارها، خصوصًا في ظل أزمتها الداخلية وحاجة نتنياهو الدائمة إلى تصدير التوتر.
لبنان، في المقابل، يقف مجددًا عند تقاطع الحسابات الكبرى: عجز داخلي، ضغوط خارجية، وحدود مفتوحة على احتمالات شديدة الخطورة. وبين “نبوءة” الحرب وفق التقويم الإسرائيلي، وصمت واشنطن المدروس، يبقى السؤال الأساس: هل يُترك الجنوب والبقاع مرة أخرى رهينة رسائل النار، أم تنجح الدبلوماسية في تأجيل ما يبدو، حتى الآن، مؤكدًا في العقل الإسرائيلي؟
في انتظار الجواب، ما هو ثابت أن منسوب المخاطر يرتفع، وأن هامش الخطأ يضيق، وأن لبنان يُطالَب أكثر من أي وقت مضى بقراءة ما بين السطور، لا الاكتفاء بما يُقال على المنابر.