صوفر نيوز Sawfar News

إخباريّة · سياسيّة · ثقافيّة · رياضيّة · إجتماعيّة

حجم الخطّ

موازنة على حافة الانفجار… حين تتحوّل الدولة إلى خصم لموظفيها

موازنة على حافة الانفجار… حين تتحوّل الدولة إلى خصم لموظفيها

بقلم العميد وليد شــيّا - ملحق عسكري سابق وكاتب في الشؤون السياسية والاقتصادية 30/1/2026 - صوفر نيوز

لم يكن إقرار الموازنة العامة أمس بـ59 صوتاً مجرد محطة تشريعية عادية، بل كان إعلاناً صريحاً عن أزمة حكم. فحين تمرّ الموازنة بأكثرية هشة، فيما الشارع يغلي أمام البرلمان والمعلمون والعسكريون المتقاعدون يرفعون صوتهم في الداخل والخارج، فهذا يعني أن الدولة لم تعد قادرة على إدارة التوازن بين السياسة والاقتصاد والمجتمع.

المفارقة القاسية أن السلطة التي تتحدث عن “الإصلاح” تقرّ موازنة لا تعكس أي رؤية إصلاحية حقيقية، فيما موظفو القطاع العام يدفعون الثمن الأكبر لانهيار لم يكونوا مسؤولين عنه. رواتب المدنيين والعسكريين تحولت إلى فتات، وقيمتها الشرائية انهارت إلى مستويات مهينة، فيما الدولة تكتفي بإدارة الأزمة بدل معالجتها.

لكن الحقيقة التي تتجنب السلطة الاعتراف بها هي أن أزمة الرواتب ليست نتيجة نقص الموارد فقط، بل نتيجة سوء إدارة مزمن وسياسات مالية مرتجلة. فالدولة التي أهدرت المال العام لعقود، وعجزت عن بناء اقتصاد منتج، تحاول اليوم تحميل موظفيها كلفة الانهيار، تحت شعار “الواقعية المالية”.

الحق في راتب لائق ليس مطلباً شعبوياً، بل حق دستوري وأخلاقي. لكن تحويل هذا الحق إلى مادة انتخابية من دون خطة مالية واضحة ليس أقل خطورة من تجاهله. فالشعبوية التي تعد الموظفين بزيادات غير ممولة لا تقل تدميراً عن السياسات التي ترفض الاعتراف بحقوقهم. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: مزيد من التضخم، ومزيد من العجز، ومزيد من فقدان الثقة بالدولة.

الأكثر فداحة هو التمييز الصارخ داخل القطاع العام نفسه. فالفجوة بين رواتب الهيئات الناظمة وسائر الموظفين لم تعد مجرد خلل إداري، بل أصبحت رمزاً لانعدام العدالة داخل الدولة. كيف يمكن تبرير رواتب مرتفعة في مؤسسات لم تنتج أي نقلة نوعية في الإدارة أو الإصلاح، فيما يُترك المعلمون والعسكريون والموظفون العاديون لمواجهة الانهيار بلا حماية؟

هذا الواقع خلق شرخاً خطيراً داخل الجسم الوظيفي للدولة، وضرب مفهوم العدالة الوظيفية في الصميم. فالعسكريون والموظفون الذين يشكلون العمود الفقري للاستقرار يشعرون اليوم بأن الدولة التي يفترض أن تحميهم باتت تتعامل معهم كأرقام قابلة للتخفيض، فيما تُحمى الامتيازات في مواقع أخرى بلا مساءلة.

في الجوهر، لم تعد أزمة الموازنة أزمة أرقام، بل أزمة خيار سياسي. فإما دولة تعترف بأن الإصلاح يبدأ من العدالة داخل مؤسساتها، وإما سلطة تواصل إدارة الانهيار وتجميله بخطاب تقني فارغ. وبين الخيارين، يدفع اللبنانيون الثمن مرة جديدة، فيما الدولة تفاوض موظفيها من موقع العجز بدل أن تقودهم من موقع المسؤولية.

#الموازنة_اللبنانية #أزمة_الرواتب #حقوق_الموظفين #العسكريون_خط_أحمر #المعلمون #القطاع_العام #العدالة_الاجتماعية #السياسات_المالية #الإصلاح_المالي #الدولة_تنهار #لبنان

العودة إلى كل الأخبار