الفتات لا يبني دولة

افتتاحية صوفر نيوز – الأربعاء 18 شباط 2026
بقلم العميد وليد شيا
في زمن الانهيارات الكبرى، لا تُقاس السياسات بحجم الأرقام التي تُعلنها الحكومات، بل بعمق الثقة التي تزرعها في وجدان الناس. وما فعلته الحكومة هذا الأسبوع بدا أقرب إلى معادلة قاسية: تعطي بيدٍ ما يشبه الفتات لموظفي القطاع العام، وتستردّه فوراً من جيوب اللبنانيين عبر البنزين والضريبة على القيمة المضافة، وكأنها تعاقب المجتمع على حقّه بالحياة الكريمة.
قرارات رفع سعر صفيحة البنزين وزيادة الـTVA أشعلت الشارع سريعاً، فقطع الطرق لم يكن سوى الإنذار الأول لغضبٍ يتّسع، لأن الناس أدركت أن ما سمي تحسين الرواتب جاء على حسابها هي، لا على حساب الهدر أو مكامن الخلل الحقيقية. المفارقة الأكثر قسوة أن قوى داخل الحكومة نفسها اعترضت سياسياً، لكنها مرّرت القرار عملياً، في مشهد انتخابي مكشوف يشي بأن الحسابات الشعبوية تقدّمت على أي رؤية إنقاذية.
بين مطرقة مطالب محقّة للموظفين والعسكريين، وسندان الضرائب التي ستترجم تضخماً جديداً، صدر الحكم على الأمن الاجتماعي. أما الملفات السيادية الكبرى، من حصرية السلاح إلى الاستحقاقات الداهمة، فتراجعت أمام صرخة المعيشة التي لا تحتمل المزيد من التجارب.
ليست المشكلة في تمويل زيادة الرواتب، بل في اختيار الطريق الأسهل: جيب المواطن. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية… حكومة تعرف كيف تجبي، لكنها لم تُقنع بعد بأنها تعرف كيف تبني.