قراءة ميدانية | جنوب لبنان على إيقاع “فرض الوقائع”

بقلم العميد وليد شيا- ملحق عسكري سابق وكاتب في الشؤون العسكرية والاقتصادية
في ظل تسارع التطورات الميدانية جنوبًا، تتضح معالم مرحلة جديدة من العمليات العسكرية القائمة حاليا ، تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي نحو إعادة رسم قواعد السيطرة والتأثير على الأرض، ضمن مشهد إقليمي شديد التعقيد.
ميدانيا، يواصل الجيش الإسرائيلي توغلاته ضمن عمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات وممكن اكثر في بعض المحاور، مع محاولات لربط المحاور الثلاث التي تقدّم منها، خصوصا في وادي الحجير الاستراتيجي حيث يسعى للالتقاء بقواته القادمة من محور وادي السلوقي، وهي مناطق كانت تشكّل سابقا حدود ما عُرف بـ”الحزام الأمني” قبل عام 2000. هذا التقدّم لا يتم عبر احتلال ثابت، بل عبر عمليات التفاف وضربات نارية مكثفة بعكس الاستراتيجية القديمة المتبعة، يتخللها تدمير منهجي لمنازل ومنشآت، ثم انسحاب تكتيكي.
في القطاع الغربي، يتّجه التوغّل شرقا من البياضة نحو شمع وأطراف مجدل زون، مستفيدًا من التلال المشرفة على الساحل والتي ترتفع حوالي الـ 450 مترا، ما يمنح أفضلية في السيطرة النارية باتجاه مدينة صور.
أما في القطاع الأوسط والشرقي، فالمحور الأساسي يتمثل بمحاولات تطويق وادي الحجير، الذي يُعد نقطة استراتيجية كما ذكرنا لربط الجبهات وفرض واقع ميداني جديد وكذلك جعل مدينة ينت جبيل المطوقة الذي وصل الى مسافة تقل عن كيلومتر عن وسطها بين فكي كماشة ليشكل عليها طوقا يفرض على المدافعين عنها الانسحاب شمالا تحت ضغطا ينتظر ان ترتفع وتيرته قريبا .
المؤشر الأبرز في هذه العمليات هو غياب التثبيت الدائم للنقاط، ما يعكس اعتماد تكتيك “الضرب والانسحاب” بدل الاحتلال المباشر، في مقابل سعي واضح لفرض منطقة عازلة غير معلنة، بعمق مرن قد يتراوح بين 8 و12 كيلومترًا، وفق طبيعة الأرض والظروف الميدانية، بما يشبه إلى حد كبير نموذج الشريط الحدودي السابق.
الخلاصة:
ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل محاولة إسرائيلية مدروسة لإعادة تشكيل الواقع الأمني في جنوب لبنان، على قاعدة “فرض الوقائع أولًا... والتفاوض لاحقًا”. إلا أن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى مرهونًا بقدرة تل أبيب على تحويل إنجازاتها الميدانية إلى مكاسب سياسية، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة او اتساعها في الوقت الحاضر على الاقل قد تفقد السيطرة على مسارها.
وفي موازاة ذلك، يبقى المشهد معلّقًا على مسار المواجهة الأوسع التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، واتجاهاتها المقبلة. فهذه الحرب الكبرى، إن اتّسعت أو انحسرت، ستحدّد سقف العمليات في الجنوب، وعلى أساسها تبني إسرائيل استراتيجيتها اللاحقة وترسم السيناريو النهائي للصراع في المنطقة.