لبنان يختار الدولة… وقف النار بداية الطريق لا نهايته

#لبنان_ينتصر_للدولة
بقلم العميد وليد شيّا – ملحق عسكري سابق وكاتب في الشؤون العسكرية والاقتصادية
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ اعتباراً من اليوم ولمدة عشرة أيام، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية نادرة في تاريخه الحديث. ليست هدنة عابرة بقدر ما هي إعلان تحوّل في المسار، وانتقال من منطق الساحات المفتوحة إلى منطق الدولة التي تستعيد قرارها وتضع مصلحة شعبها فوق كل اعتبار.
في هذا السياق، يُسجَّل للرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام موقف وطني استثنائي، اتّسم بالجرأة والمسؤولية في آن معاً. قرار وقف النزيف لم يكن سهلاً، في ظل ضغوط داخلية وخارجية، لكنه جاء انطلاقاً من قناعة واضحة: لا أولوية تعلو فوق حماية لبنان ووقف حمّام الدم والتدمير، مهما كانت التداعيات أو الحسابات الجانبية.
لقد تجاوزت الخسائر كل الخطوط الحمراء: أكثر من خمسة آلاف شهيد، وما يزيد على 500 كيلومتر مربع من الأراضي المتضررة أو الخارجة عن السيطرة، وخسائر اقتصادية فاقت الخمسين مليار دولار. أمام هذا الواقع، لم يعد هناك ترف الانتظار أو المراهنة على متغيرات إقليمية. القرار كان حاسماً: وقف الانهيار قبل فوات الأوان.
الأهم أن هذا الخيار لم يأتِ معزولاً عن وجدان اللبنانيين، بل تلاقى مع إرادة شعبية واسعة، عبّرت عنها أيضاً قيادات وازنة، حتى وإن التزمت الصمت. فالجميع يدرك أن استمرار الحرب لم يكن ليؤدي إلا إلى مزيد من الخسارة، أرضاً وشعباً ومؤسسات.
في موازاة ذلك، شكّل الحفاظ على تماسك الجيش اللبناني إنجازاً بحد ذاته، إذ بقي المؤسسة الوطنية الجامعة، القادرة على فرض الأمن وإعادة ترميم هيبة الدولة في الداخل، رغم كل الضغوط والتحديات. هذا الجيش، الذي دفع أثماناً باهظة من دماء أبنائه، سيبقى الركيزة الأساسية لأي استقرار مرتقب.
لكن، ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن فترة الأيام العشرة لا تعني نهاية الحرب، ولا عودة فورية للحياة إلى طبيعتها. فالتحديات جسيمة: مفاوضات مباشرة معقّدة تنتظر لبنان، أزمة نزوح داخلية خانقة، وواقع ميداني صعب في جنوب الليطاني حيث دُمّرت قرى بأكملها، ولا تزال العودة إليها مؤجلة في هذه المرحلة.
ومع ذلك، يبقى وقف إطلاق النار الإنجاز الأهم، لأنه يفتح الباب أمام وقف الانحدار، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية على أسس واقعية.
في الخلاصة، ما تحقق اليوم يتجاوز مجرد هدنة عسكرية. إنه بداية استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي، ولو للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بعيداً عن منطق الوكالة والارتهان. دولة تتحمّل مسؤوليتها الكاملة، وتخوض خياراتها بنفسها، وتدفع أثمان قراراتها بإرادة وطنية لا بإملاءات الخارج.
الرحمة للشهداء جميعاً، وفي مقدّمهم شهداء الجيش اللبناني، الذين سيبقون صمّام الأمان لهذا الوطن وملاذه الأخير. أما لبنان، فقد بدأ اليوم رحلة شاقة، لكنها ضرورية، نحو استعادة نفسه.