افتتاحية صوفر نيوز | الأحد 3 أيار 2026

كرامة الوطن خط أحمر… والاعتداء على المرجعيات الروحية مسّ بوحدة لبنان
بقلم: العميد وليد شيا - ملحق عسكري سابق وكاتب في الشؤون العسكرية والاقتصادية
لم يعد ما جرى مجرد حادثة عابرة في فضاء مواقع التواصل، بل تحوّل إلى مؤشر خطير على انحدار الخطاب العام، حين تُستباح الرموز الوطنية والروحية تحت عناوين الحرية الزائفة. إن التعرض لغبطة البطريرك بشارة بطرس الراعي، وما تمثّله بكركي، ليس إساءة لشخص أو موقع ديني فحسب، بل هو اعتداء مباشر على كرامة الوطن وعلى ما تبقى من تماسكه المعنوي.
إننا أمام لحظة تستوجب موقفاً واضحاً وصريحاً من جميع المرجعيات الرسمية والدينية، ومن مختلف القوى والفئات، لرفض هذا الانحدار الأخلاقي الذي يهدد السلم الأهلي ويغذّي مناخات الفتنة. فبكركي، عبر تاريخها، لم تكن يوماً طرفاً، بل كانت مساحة جامعة، وصوتاً سيادياً في أصعب المراحل، من نداء عام 2000 في عهد البطريرك الراحل نصرالله صفير، إلى اليوم، حيث يستمر الراعي في الدفاع عن الدولة وكيانها.
مهما بلغ عمق الخلاف السياسي، ومهما اشتدت الانقسامات، تبقى حرية الرأي قيمة مقدسة لا يمكن أن تتحول إلى أداة للتشهير والتجريح والتنمر والتخوين. لقد حذّرنا مراراً من الانزلاق إلى هذا المستوى من الخطاب، لما له من أثر مباشر في شحن النفوس وتأجيج العصبيات، وهو ما لا يخدم إلا أعداء لبنان ومشاريع تفتيته.
إن استهداف القامات الدينية، على اختلافها، هو استهداف لكل اللبنانيين، ومحاولة لضرب الثوابت التي يقوم عليها العيش المشترك. وما نشهده اليوم لا يمكن فصله عن سياق أوسع يسعى إلى تقويض الدولة وإضعاف مؤسساتها، عبر ضرب رموزها الوطنية والروحية، في وقت لا يزال لبنان يدفع أثمان صراعات لم يخترها، وحروب زُجّ بها قسراً، فاستنزفت طاقاته وهددت وجوده.
إن ما يتعرض له البطريرك الراعي اليوم، لا يخرج عن كونه امتداداً لمواقف سيادية تاريخية، تمسّكت بالحرية والاستقلال ورفضت كل أشكال الوصاية، أياً كان مصدرها. وهي مواقف تستدعي الالتفاف حولها لا استهدافها، لأنها تشكّل خط دفاع أخيراً عن فكرة الدولة.
من هنا، نجدد استنكارنا الشديد لكل أشكال الإساءة، وندعو إلى تحرك قضائي وأمني حازم لمحاسبة المرتكبين، حمايةً للكرامات وصوناً للسلم الأهلي. كما نناشد اللبنانيين التحلي بأعلى درجات الوعي، ونبذ خطاب الكراهية، وعدم الانجرار خلف حملات التحريض التي لا تقود إلا إلى الفتنة.
في زمن الانهيارات الكبرى، تبقى الكلمة المسؤولة سلاحاً، والوحدة الوطنية خط الدفاع الأخير. فلا تفرّطوا بما تبقى… لأن نار الفتنة، إن اشتعلت، لن توفّر أحداً.