بين نار الميدان وعجز القرار: من يوقف النزيف؟

افتتاحية صوفر نيوز – الإثنين 4 أيار 2026
بقلم العميد وليد شيا – ملحق عسكري سابق وكاتب في الشؤون العسكرية والاقتصادية
لم يعد الصمت ترفاً، ولا التنظير ترفيهاً سياسياً. فبينما تُقصف القرى وتُهجَّر العائلات وتُستباح الجغرافيا، يصرّ بعض الرافضين على الاحتماء خلف شعارات فارغة، رافضين أي مسار عملي قد يوقف النزيف. هؤلاء لا يقدّمون بديلاً، ولا يملكون خطة، بل يكتفون بدور المعطّل الذي يزايد بالكلام ويتهرّب من تحمّل المسؤولية. إنهم، عن قصد أو عجز، يتركون البلاد رهينة التصعيد، فيما يضعون العراقيل أمام أي محاولة جدية لكسر حلقة الدم، وكأن المطلوب إبقاء لبنان ساحة مفتوحة لا دولة قادرة على اتخاذ قرار.
المواجهة اليوم لم تعد ضمن حدودها التقليدية. فقد انتقلت العمليات العسكرية الإسرائيلية من نطاقها الحدودي او المنطقة الصفراء كما اسماها الع.. دو إلى عمق جغرافي أوسع، يمتد شمال الليطاني وصولاً إلى تخوم الزهراني، في تحول واضح في قواعد الاشتباك يعكس قراراً استراتيجياً بتوسيع مسرح العمليات وفرض معادلات جديدة بالقوة ولن تكون بعيدة جدا.
المشهد الميداني لم يعد مجرد ضربات موضعية، بل بات يقوم على استهداف متزامن لبلدات متعددة، بما فيها أهداف مدنية ومؤسساتية، بالتوازي مع توسيع رقعة الإنذارات، في ما يشبه عملية تهجيرية تدميرية ممنهجة تهدف إلى خلق حزام ضغط واسع يدفع نحو موجات نزوح جديدة. هذا النمط من القصف، خصوصاً ضمن ما يسمى “الخط الأصفر”، يعيد إلى الأذهان تكتيكات إسرائيلية سابقة حيث كان التمهيد الناري مقدمة لتوغلات برية، ما يرفع منسوب القلق من انتقال المواجهة إلى مرحلة ميدانية أشد تعقيداً وخطورة.
إن امتداد الغارات إلى عمق مناطق صور والنبطية لا يمكن فصله عن استراتيجية متكاملة تهدف إلى فرض التفاوض على لبنان تحت النار. فكلما تمسك لبنان بموقفه الرافض للتفاوض قبل وقف إطلاق النار، ارتفعت وتيرة الاعتداءات، في محاولة واضحة لفرض وقائع ميدانية تضغط على القرار السياسي وتعيد صياغة شروط التفاوض.
هنا، يبرز السؤال الجوهري: ماذا يقدّم الرافضون لتفويض رئيس الجمهورية بالمفاوضات المباشرة كبديل عملي؟ هل لديهم رؤية توقف نزيف الدم والتهجير والتدمير؟ أم أن دورهم يقتصر على التنظير ورفع الشعارات، فيما الأرض تُستباح والناس تُهجّر؟
إن المرحلة الراهنة تشكل مفترقاً خطيراً يتطلب جرأة في القرار لا مزيداً من العرقلة. فإعطاء رئيس الجمهورية الغطاء السياسي للتحرك، رغم ما يحمله من مخاطر داخلية وخارجية، قد يكون الفرصة الأخيرة لوقف حمام الدم، خاصة في ظل معطيات دولية تشير إلى إمكانية لعب دور ضامن من قبل أطراف مؤثرة.
إن رئيس الجمهورية، المعروف بثوابته الوطنية، يستحق فرصة التحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما خسرناه من مغامرات حيث تعدت الاراضي المحتلة ال 600 كلم مربع ، وانطلاقاً من قسمه بحماية الشعب وصون الأرض. أما الاستمرار في وضع العصي في الدواليب، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والاحتلال، وعلى من يعرقل أن يتحمل مسؤوليته أمام اللبنانيين والتاريخ.