صوفر نيوز Sawfar News

إخباريّة · سياسيّة · ثقافيّة · رياضيّة · إجتماعيّة

حجم الخطّ

النبطية في مرمى النار... هل يقترب الجنوب من نكبته الكبرى؟

النبطية في مرمى النار... هل يقترب الجنوب من نكبته الكبرى؟

بقلم العميد وليد شيا - 12/6/2026

ملحق عسكري سابق وكاتب في الشؤون العسكرية والاقتصادية

منذ اندلاع المواجهة الأخيرة في جنوب لبنان، كان السؤال يدور حول القرى الحدودية ومصيرها، ثم انتقل إلى البلدات الكبرى في الحافة الأمامية للمواجهة. أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر خطورة وواقعية: هل أصبحت مدينة النبطية، القلب الاقتصادي والإداري للجنوب اللبناني، على لائحة السقوط العسكري؟

هذا السؤال لم يعد من باب التهويل أو التحليل النظري. فالمعطيات الميدانية المتراكمة خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى واقع عسكري جديد يتقدم بهدوء ولكن بثبات. فالجيش الإسرائيلي لا يعتمد أسلوب الاندفاع السريع أو المناورات الخاطفة، بل ينفذ استراتيجية استنزاف وتدمير ممنهجة تقوم على تحويل المناطق التي يدخلها إلى أرض محروقة، قبل تثبيت السيطرة النارية عليها.

ما جرى في كفرتبنيت ليس تفصيلاً عابراً. فالبلدة التي كانت تشكل إحدى البوابات الدفاعية للنبطية تعرضت لدمار واسع جعلها عملياً خارج المعادلة السكانية والاقتصادية. ومع وصول الآليات الاستطلاعية الإسرائيلية إلى أطراف النبطية الفوقا، باتت القوات الإسرائيلية على بعد مئات الأمتار فقط من المدينة التي تمثل عاصمة الجنوب الداخلية ومركزه التجاري والخدماتي.

الأخطر من ذلك يتمثل في الحركة العسكرية باتجاه تلة علي الطاهر، التي تعد من أهم النقاط الاستراتيجية في الجنوب اللبناني. فهذه التلة ليست مجرد مرتفع جغرافي، بل تشكل عقدة دفاعية أساسية تشرف مباشرة على مدينة النبطية وعلى سلسلة مرتفعات إقليم التفاح. كما أنها لطالما اعتُبرت جزءاً من البنية الدفاعية الأساسية التي تضم مواقع محصنة وأنفاقاً وخطوط إمداد تشكل العمق العسكري الأخير قبل النبطية.

في المقابل، فإن إعلان إسرائيل سيطرتها على وادي السلوقي يضيف بعداً آخر إلى المشهد. فالوادي يشكل مفتاحاً جغرافياً مهماً يسمح بزيادة الضغط على القطاع الغربي ويفتح المجال أمام إعادة رسم خطوط التقدم باتجاه العمق الجنوبي.

هنا يبرز السؤال المركزي: ماذا تريد إسرائيل فعلياً؟

هل الهدف احتلال مدينة النبطية وإقامة واقع عسكري جديد على الأرض؟ أم أن الهدف هو جعل المدينة ساقطة عسكرياً عبر تطويقها نارياً وتدمير بنيتها التحتية ومرافقها الحيوية، كما حصل في بنت جبيل والخيام، من دون الحاجة إلى دخولها بشكل كامل؟

التجارب السابقة تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتمد في كثير من الأحيان مبدأ "المدينة غير القابلة للحياة" أكثر من مبدأ الاحتلال التقليدي. أي تحويل المنطقة المستهدفة إلى مساحة مدمرة وفارغة سكانياً، بحيث تصبح السيطرة عليها أمراً واقعاً من دون الحاجة إلى تمركز كثيف للقوات.

وفي حال استمر هذا المسار، فإن التداعيات لن تتوقف عند النبطية. فالمعادلة العسكرية والجغرافية تطرح احتمال تمدد الضغط نحو الزهراني، وربما إلى مشارف صيدا في حال تغيرت الظروف الميدانية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال ما قد يكون مرسوماً لمدينة صور، التي تبقى هدفاً استراتيجياً بالغ الأهمية في أي سيناريو عسكري واسع النطاق.

أما على الجانب المقابل، فإن الوقائع الميدانية تظهر أن المسيرات الانقضاضية والصواريخ والتهديدات الإقليمية لم تنجح حتى الآن في وقف التقدم الإسرائيلي البطيء. كما أن قدرة حزب الله على منع هذا التوغل تبدو محدودة أمام استراتيجية تعتمد التدمير المنهجي والتفوق الجوي والناري الهائل.

وأمام هذا المشهد القاتم، يحق للجنوبيين أن يسألوا: إلى متى؟

إلى متى ستبقى الدولة اللبنانية تكتفي بالمواقف والبيانات فيما الجنوب يواجه أكبر عملية تغيير جغرافي وديموغرافي منذ عقود؟ وإلى متى يبقى أهل الجنوب يدفعون أثمان الحروب فيما تتسع دائرة الدمار يوماً بعد يوم؟

إن ما يعيشه الجنوب اليوم لم يعد مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل تحول إلى مأساة إنسانية ووطنية تطال البشر والحجر والذاكرة والتاريخ. قرى تم محوها، وبلدات تهجرت، وأجيال كاملة تواجه خطر فقدان المكان والانتماء.

لقد حان الوقت لأن تقول الدولة اللبنانية "كفى" بالفعل لا بالقول، وأن تتحرك بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية المتاحة لإنقاذ ما تبقى من الجنوب وأهله. فالمسألة لم تعد مرتبطة بحسابات الربح والخسارة العسكرية، بل بحماية ما تبقى من وطن يتآكل أمام أعين أبنائه.

إن النبطية ليست مجرد مدينة. إنها ذاكرة الجنوب وعصب اقتصاده وقلبه النابض. وإذا سقطت النبطية، أو تحولت إلى مدينة مدمرة وخالية من أهلها، فإن الخسارة لن تكون للجنوب وحده، بل للبنان بأكمله.

رحمة بالبشر... رحمة بالحجر... ورحمة بذاكرة الجنوب التي تُمحى أمام العالم بصمتٍ مؤلم.

#النبطية #الجنوب_اللبناني #لبنان #إقليم_التفاح #علي_الطاهر #صور #الزهراني #الأمن_القومي #تحليل_عسكري #وليد_شيا #صوفر_نيوز #لبنان_اليوم #الجنوب_ينزف #أنقذوا_الجنوب

العودة إلى كل الأخبار