شارون... حين يهمس الجبل بأسماء أحبّته





حكايا صوفر نيوز | تقرير خاص عن بلدة شارون
إعداد العميد المتقاعد وليد شـــيّا
ليست كل القرى تُختصر بموقع على الخريطة، فهناك قرى تعيش في الذاكرة قبل أن تُرى بالعين، وتبقى حاضرة في القلب مهما ابتعدت المسافات. هكذا هي شارون... بلدة جبلية عريقة، تحفظ في حجارتها حكايات الأجداد، وفي ينابيعها نبض الحياة، وفي وجوه أهلها صورة لبنان الجميل الذي قاوم الزمن وحافظ على أصالته.
في شارون، يعود الزمن إلى أيام كانت البيوت مشرعة للأقارب والجيران، وكانت المواسم عيداً يجمع الجميع، من قطاف التفاح والزيتون إلى سهرات الصيف التي كانت تملأ الساحات دفئاً وألفة. هنا، لا تزال رائحة التراب بعد المطر توقظ الحنين، ولا تزال أشجار السنديان والصنوبر تروي بصمت قصة قريةٍ عانقت الجبل فأصبح جزءاً من هويتها.
تقع شارون في قضاء عاليه على ارتفاع يتراوح بين 1080 و1350 متراً عن سطح البحر، وتبعد نحو 31 كيلومتراً عن بيروت، وتُعد من أكبر بلدات الجرد في المنطقة. ويرى عدد من الباحثين أن اسمها يعود إلى الجذور الفينيقية (SH RON) ويعني "السهل أو الأرض المنبسطة"، في دلالة على عراقة المكان وامتداد تاريخه.
وتحمل البلدة مكانة دينية وتراثية بارزة، إذ تضم مقام بهاء الدين الطائي الشريف الذي يُعد من أبرز المقامات لدى الموحدين الدروز، إلى جانب مقام الست سرا وعدد من الخلوات التاريخية التي تشهد على عمق الإرث الروحي في المنطقة.
أما نسيجها الاجتماعي، فيقوم على عائلات عريقة كان لها دور كبير في بناء البلدة والحفاظ على وحدتها، وفي مقدمتها آل الصايغ، وآل الأحمدية، وآل البنا - وآل عبد الخالق - آل دمشقي -آل أبو حمدان ،
إلى جانب عائلات كريمة ساهمت في نهضة شارون وترسيخ قيم التعاون والانتماء والمحبة.
ولم تكن شارون عبر تاريخها مجرد بلدة جميلة بطبيعتها، بل كانت مدرسة في القيم والرجال. فقد أنجبت رجالاً أتقياء ومرجعيات دينية تركوا بصمات مشرقة في خدمة المجتمع ولا يزالون يرسخون مبادئ الحكمة والتسامح والإصلاح، فغدت منارة روحية يقصدها أبناء الجبل، ومقصداً لأهل الفكر والإيمان.
كما قدّمت البلدة، قديماً وحاضراً، نخبة من الكفاءات في مختلف الميادين؛ من التربية والطب والهندسة والإدارة وغيره، إلى العمل العسكري والأمني، والثقافة والفن والاغتراب، فكان أبناؤها خير سفراء لها داخل لبنان وخارجه، يحملون اسمها بكل فخر ويجسدون قيمها الأصيلة في مواقع المسؤولية.
ولا تزال شارون تحافظ على هذا الإرث الغني، مستندة إلى تاريخها العريق ووحدة أهلها وتمسكهم بأرضهم وهويتهم، لتبقى نموذجاً للقرية اللبنانية الأصيلة التي تجمع بين الإيمان والعلم، وبين التراث والانفتاح، وبين الوفاء للماضي والثقة بالمستقبل.
وتزخر شارون بينابيعها التاريخية التي شكّلت على مرّ العصور شريان الحياة في البلدة، وفي مقدمتها عين بو فريز التي يتجاوز عمرها ألف عام، إلى جانب عين المزراب وعين الحلقوم. كما تحتفظ الذاكرة الشعبية بأسماء ينابيع عزيزة على أبناء البلدة، منها عين عنز فياض، وعين حزابل، وعين الضيعة، وعين نبعة صافي، وعين غاذي وعين الصفصاف، التي ارتوت منها الأجيال وسُقيت بساتين التفاح والزيتون والكرمة، فكانت أكثر من مجرد منابع للمياه؛ كانت ملتقى للأهالي، وشاهدة على تفاصيل الحياة اليومية، وعلى أفراح المواسم ودفء العلاقات الإنسانية التي ميّزت شارون عبر السنين.
أما أحياؤها القديمة، فلا تزال أسماؤها تستحضر أجمل الذكريات، ومنها دار عطاف، وحي بيت البنا، وحي بيت الصايغ وحي الست سارة وحي الملاحة ، وهي أحياء شكّلت قلب شارون النابض، حيث كانت البيوت متلاصقة بالمودة، والساحات ملتقى الجيران، والأطفال يملؤون الأزقة بالحياة، في مشهدٍ لا يزال يسكن ذاكرة كل من غادر البلدة، ويزداد حنيناً إليها كلما ابتعد عنها.
إنها شارون... بلدة لا تحفظ أسماء الأماكن فحسب، بل تحفظ معها وجوه الناس، ودفء البيوت، وعبق المواسم، لتبقى حكايتها خالدة في قلوب أبنائها جيلاً بعد جيل.
وتتميز البلدة بأحراجها الواسعة وإطلالاتها البانورامية الساحرة على جبال عاليه والشوف، وبأراضيها الخصبة التي اشتهرت بزراعة التفاح والزيتون والكرمة والتين، لتبقى الطبيعة فيها جزءاً لا يتجزأ من هوية المكان.
واليوم، بلدة شارون تحافظ على سحرها الخاص، تجمع بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر، وتبقى مقصداً لكل من يبحث عن هدوء الجبل، وصفاء الطبيعة، ودفء العلاقات الإنسانية. إنها ليست مجرد بلدة، بل ذاكرة مفتوحة لكل من عاش فيها أو مرّ بين طرقاتها، وحكاية لبنانية أصيلة تستحق أن تُروى جيلاً بعد جيل.
.