لبنان أمام فرصة تاريخية... فهل يحسن استثمارها؟

بقلم العميد وليد شيا
افتتاحية صوفر نيوز
22 تموز 2026
لم يكن استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس اللبناني جوزاف عون عند مدخل البيت الأبيض مجرد مشهد بروتوكولي عابر، بل حمل رسائل سياسية واضحة إلى الداخل اللبناني والإقليم معًا. فالزيارة، وهي الأولى لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ عام 2009، عكست مستوى من الاحترام الرسمي للبنان ورئيسه، وتوّجها ترامب بكلمات لافتة عندما وصف الرئيس عون بأنه "محترم من الجميع"، وأنه "قد يكون أحد أفضل قادة الشرق الأوسط"، في إشارة تعكس رهانًا أميركيًا على المرحلة الجديدة في لبنان.
ورغم أن النجاح البروتوكولي للزيارة كان واضحًا، فإن الأهم يكمن في مضمون الرسائل التي خرجت من واشنطن. فقد بدا أن الإدارة الأميركية أرادت تثبيت دعمها الكامل للدولة اللبنانية ومؤسساتها، وربط هذا الدعم بمسار "اتفاق الإطار" الذي ترعاه، وبالدور المتنامي للجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق، جاءت إشارات ترامب تجاه الرئيس نبيه بري بالغة الدلالة، عندما أكد ثقته بانضمامه إلى مسار الاتفاق بعد ظهور نتائجه، وهو ما ينسجم مع مواقف بري التي لم تغلق باب التجاوب مع أي مبادرة تحقق مصلحة لبنان. أما حديثه عن استعداده للتواصل مع "حزب الله" إذا طلب الرئيس اللبناني ذلك، فيكشف أن واشنطن لا ترغب في إغلاق قنوات المعالجة السياسية، بل تفضل احتواء التعقيدات اللبنانية ضمن إطار الدولة ومؤسساتها.
كما اكتسب الإعلان عن بدء تنفيذ المرحلة التجريبية للمناطق النموذجية في الجنوب أهمية خاصة، بالتزامن مع تأكيد ترامب أن الجيش الإسرائيلي في طور الانسحاب، وأن هناك خطة عملية لدعم الجيش اللبناني ليتولى مسؤولياته الميدانية. وهذا التطور، إذا استكمل وفق ما هو معلن، قد يشكل بداية مرحلة جديدة تعيد تثبيت سيادة الدولة اللبنانية على الجنوب بعيدًا عن منطق المواجهة المفتوحة.
اقتصاديًا وسياسيًا، حملت تصريحات ترامب رسائل طمأنة واضحة، سواء عبر تعهده بتقديم الدعم والمساعدات للبنان، أو من خلال تأكيده أن العلاقات الثنائية ستشهد مرحلة مختلفة تقوم على الاحترام والتعاون، مع اعترافه بأن لبنان دفع أثمانًا باهظة خلال العقود الماضية ويستحق فرصة حقيقية للنهوض.
إن نجاح زيارة واشنطن لا يقاس فقط بحفاوة الاستقبال أو بالتصريحات الإيجابية، بل بقدرة الدولة اللبنانية على تحويل هذا الزخم السياسي إلى خطوات عملية تعزز الاستقرار، وتستعيد ثقة المجتمع الدولي، وتفتح الباب أمام الدعم والاستثمار والإصلاح. فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد العودة إلى بيروت، حيث تنتظر اللبنانيين استحقاقات صعبة تتطلب وحدة القرار وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية.
لبنان يقف اليوم أمام نافذة قد لا تتكرر كثيرًا. وإذا أحسن استثمارها، فقد تكون بداية الخروج من سنوات الأزمات والانقسامات نحو دولة قوية، سيدة، وقادرة على حماية شعبها واستعادة دورها في المنطقة.