علي الطاهر... ما الذي يمنع إسرائيل من الدخول؟

افتتاحية صوفر نيوز
بقلم العميد المتقاعد وليد شيا
الأربعاء 26/8/2026
عندما تؤخر إسرائيل اقتحام موقع تقول إنه من أخطر مواقع حزب الله، رغم امتلاكها التفوق الجوي والناري، فالمسألة لا تعود مسألة توقيت فقط... بل تصبح سؤالاً عن حجم ما تخشاه تحت الأرض.
هذا هو جوهر المعادلة في علي الطاهر. فالمعلومات المتوافرة والتقديرات العسكرية تشير إلى أن المنطقة قد تضم واحدة من أكبر وأعقد البنى العسكرية في هذه الجبهة، مع امتدادات تحت الأرض قد تتجاوز أربعة كيلومترات، ومئات المداخل والمخارج، ما يعني أن إسرائيل لا تواجه تلة تريد السيطرة عليها، بل منظومة دفاعية يُعتقد أن جزءاً أساسياً منها ما زال خارج الصورة الاستخبارية الكاملة.
وهنا تكمن المعضلة الإسرائيلية: القصف الجوي يستطيع تدمير ما يظهر، لكنه لا يضمن معرفة ما يوجد تحت الأرض. ولذلك تبدو العمليات الحالية أقرب إلى محاولة استنزاف الموقع وكشفه وتفكيكه تدريجياً، عبر الغارات والقصف وإحراق الأحراج واستهداف المداخل التي يتم اكتشافها، قبل اتخاذ قرار الاقتحام البري.
فالخطر لا يرتبط بعدد المقاتلين الموجودين داخل المنشآت. حتى لو كانت التقديرات تتحدث عن نحو مئة مقاتل، فإن مجموعة محدودة داخل شبكة أنفاق واسعة ومجهولة التفاصيل يمكن أن تفرض على القوة المهاجمة معركة مختلفة تماماً عن القتال في أرض مفتوحة، خصوصاً إذا كانت الشبكة مجهزة بوسائل اتصال ومخارج متعددة وكمائن دفاعية.
وتزداد حساسية المشهد إذا صحت المعلومات عن احتمال وجود عناصر أو قيادات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني داخل هذه المنشآت. فإخراج هؤلاء قبل أي اقتحام واسع، إن كان وجودهم صحيحاً، قد يكون أحد الحسابات التي تدخل في تقدير القرار الإسرائيلي، لأن سقوط قتلى أو أسرى إيرانيين يمكن أن ينقل المعركة من إطارها اللبناني إلى مستوى إقليمي أكثر خطورة.
ثم هناك السؤال الأهم: ماذا بعد علي الطاهر؟
فالسيطرة على التلال قد لا تنهي المهمة إذا كانت مرتبطة تكتيكياً بمواقع أخرى، وإذا كانت السيطرة عليها ستجعل القوات الإسرائيلية بحاجة إلى توسيع انتشارها لتأمينها ومنع استهدافها من محاور مجاورة. وهنا يمكن أن تتحول عملية محدودة إلى سلسلة عمليات متتابعة، يصعب على إسرائيل تحديد سقفها مسبقاً.
أما العامل الأميركي، فيبقى جزءاً من المعادلة. فواشنطن قد تؤيد الضغط على حزب الله ودفع الدولة اللبنانية نحو معالجة ملف السلاح، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن عملية برية واسعة، إذا تحولت إلى مواجهة طويلة أو ارتفعت فيها الخسائر الإسرائيلية، قد تقوض المسار السياسي بدلاً من أن تخدمه.
ولإسرائيل أيضاً حساباتها الداخلية. السيطرة على علي الطاهر بأقل الخسائر يمكن أن تتحول إلى إنجاز عسكري وسياسي كبير، أما عملية مكلفة أو فاشلة فقد تجعل من الموقع رمزاً لمأزق جديد. ولذلك فإن القرار ليس عسكرياً فقط؛ إنه قرار سياسي أيضاً، يرتبط بالتوقيت، وبالمفاوضات، وبصورة الحكومة والجيش أمام الداخل الإسرائيلي.
من هنا، فإن التأخير لا يمكن تفسيره بالضرورة بأنه تراجع إسرائيلي، كما لا يمكن اعتباره دليلاً مؤكداً على حجم المنشآت الموجودة تحت الأرض. لكنه يكشف شيئاً أكثر أهمية: أن إسرائيل لم تصل بعد إلى درجة اليقين التي تجعلها مطمئنة إلى كلفة الدخول.
وعلي الطاهر، بهذا المعنى، أصبح اختباراً ثلاثياً: اختباراً للاستخبارات الإسرائيلية في معرفة ما هو موجود تحت الأرض، واختباراً للجيش الإسرائيلي في قدرته على اقتحام منظومة لا يملك عنها صورة كاملة، واختباراً سياسياً لحدود التصعيد وإمكان السيطرة عليه.
فالمعركة الحقيقية قد لا تبدأ عندما تدخل إسرائيل علي الطاهر... بل عندما تكتشف ماذا يوجد فعلاً تحته.