13 تشرين… دماء الشهداء ليست إرثاً للسياسيين، ولبنان لا يُبنى بالوهم

افتتاحية صوفر نيوز – الثلاثاء 13 تشرين الأول 2026
بقلم العميد المتقاعد وليد شـيّا
الملحق العسكري السابق والكاتب في الشؤون العسكريّة والاقتصاديّة
ليست قيمة الذكريات في استحضار الجراح فحسب، بل في قدرتها على منع تكرار الأخطاء؛ فالأوطان التي لا تتعلّم من مآسيها تبقى أسيرة الماضي، مهما تبدّلت الوجوه والشعارات.
بعد ستة وثلاثين عاماً، لا تزال أحداث 13 تشرين الأول 1990 محطة مفصلية في تاريخ لبنان، يتنازع السياسيون روايتها، فيما تبقى دماء الشهداء أكبر من أن تُختزل في شخص أو تُستثمر في حسابات ضيّقة.
يختصر البعض الذكرى بميشال عون، بين من يحاكم قراراته ومن يدافع عن خياراته، لكنّ الحقيقة تتجاوز الأشخاص إلى مواطنين آمنوا بدولةٍ تحميهم، ومؤسساتٍ تجمعهم، وسيادةٍ لا تخضع لاحتلال أو وصاية.
في ذلك اليوم، سقطت المناطق الشرقية، واستُشهد لبنانيون، وتكرّست الهيمنة السورية على البلاد في مرحلةٍ فرضتها موازين القوى والتسويات الإقليمية. ولم يكن الانتصار العسكري متاحاً في تلك الظروف، لكنّ الهزيمة لم تُنهِ إرادة الاعتراض.
فمن التضحيات والاحتجاجات الشبابية والسياسية والدبلوماسية، تَشكّل مسارٌ طويل لمواجهة الوجود السوري، انتهى بانسحاب الجيش السوري عام 2005. ولم يكن ذلك نهاية الطريق، بل محطةً تؤكد أن التغيير يحتاج إلى صبرٍ وتراكمٍ وإرادة وطنية.
لا أحد يستطيع مصادرة دموع شباب 13 تشرين أو محو أسماء الشهداء من ذاكرة الوطن؛ لكن الوفاء لهم لا يكون بتوريث الذكرى والمواقع، ولا بتحويل التضحيات إلى ملكية سياسية، بل بإعادة القضية إلى أصحابها: الناس الذين حلموا بلبنان حرّ، مستقلّ، ودولةٍ لجميع أبنائه.
إن الدرس الأهم أن الاستقواء بالخارج لا يبني وطناً، كما أن احتكار القرار وتعطيل المؤسسات لا يصنعان دولة. وحدها المواطنة المتساوية، والقضاء المستقل، والجيش الوطني، والمؤسسات الفاعلة، قادرة على حماية السيادة ومنع تكرار التجارب الفاشلة.
إحياء 13 تشرين يبدأ باستقالة جميع الورثة من احتكار إرثها، وإعادته إلى الناس، بعيداً عن المصالح الشخصية والحسابات الفئوية. فإما أن يتحمّل الجميع مسؤولية بناء دولة حقيقية، أو أن يواجهوا السؤال الأصعب: إلى متى يبقى اللبنانيون أسرى هذه الدوامة، ومتى يصبح البحث عن مخارج أخرى ضرورةً وطنية؟