من ذاكرة بدغان… الشيخ عزّت فيّاض، حلاق القرية الذي كان يقصّ الشعر ويزرع المحبّة

إعداد صوفر نيوز
في احياء بلدة بدغان- قضاء عاليه القديمة، حيث كانت البيوت العتيقة تتعانق، والقناطر تحكي حكايات الزمن الجميل، عاش رجالٌ تركوا في ذاكرة الناس أثراً لا تمحوه الأيام.
ومن بين هؤلاء، يطلّ علينا اليوم وجهٌ محبوب، هو المرحوم الشيخ عزّت فيّاض، حلاق القرية الوحيد، وصاحب الابتسامة التي كانت تسبق مقصّه، وطيب القلب الذي بقي حاضراً في ذاكرة كل من عرفه.
في تلك الأيام، حين كان الفقر يطرق أبواب البيوت، وكانت الإمكانات محدودة، لم يكن أمام أولاد البلدة سوى دكّان الشيخ عزّت ليحصلوا على قصّة شعر تليق بهم. ولم يكن دكّانه مجرّد محلّ للحلاقة قرب الساحة العامة، بل كان أشبه بمركز صغير للحياة اليومية، تتقاطع فيه أحاديث الناس، وتُروى فيه أخبار الحارات، وتُصنع فيه ذكريات لا تزال تعيش في القلوب.
لم تكن هناك مجلّات لقصّات الشعر العصرية، ولا واكس ولا جِلّ، ولا كرسيّ حلاقة مريح، ولا مرايا تزيّن الجدران. كانت هناك ماكينة حلاقة يدوية، يعتني بها الشيخ عزّت، يزيّتها قبل كل حلاقة وبعدها، وكرسي خشبي صغير تتحوّل إلى كرسيّ حلاقة للصغار.
أما القصّات، فكانت بسيطة على قدر الزمن وإمكاناته؛ إمّا حلاقة على الصفر، حتى يصبح الرأس يلمع تحت الشمس، أو حلاقة «على الداير»، تشبه الطاسة الموضوعة فوق الرأس، فيحلق الشعر الظاهر حولها، ويترك ما تغطّيه!
وكانت الحكاية الأجمل تبدأ بعد انتهاء الحلاقة، حين يسأل الولد الشيخ عزّت: «قدّيش الحساب؟» فيبتسم الشيخ الطيب، وكأنّه لا يريد أن يُحرج طفلاً أو يثقل على عائلته، ويجيبه بكلمات قليلة، كبيرة بمعناها: «سلّم على بيك».
يا لها من عبارة تختصر شهامة زمنٍ كامل! لم يكن الشيخ عزّت يحلق الشعر فحسب، بل كان يحفظ كرامة الناس، ويراعي ظروفهم، ويقدّم المحبّة على المال. وربما خرج بعض الأولاد من دكّانه من دون أن يدفعوا شيئاً، لكنهم حملوا معهم درساً في الإنسانية ظلّ محفوراً في ذاكرتهم طوال العمر.
ومرّت السنوات… تغيّرت بدغان، وتهدّمت قناطر وبيوت عتيقة، وتحولت بيادر القمح إلى مواقف للسيارات، وامتدّت الطرقات على حساب البساتين. باع الناس أبقارهم وأغنامهم وخيولهم ودوابّهم، وركبوا السيارات، وتبدّلت ملامح القرية كما تبدّلت أحوال أهلها.
وكبر أولاد الحارات، فمنهم من أصبح أستاذاً، ومنهم من حمل البزة العسكرية وصار جندياً أو ضابطاً، ومنهم الطبيب والمهندس، وكلٌّ منهم شقّ طريقه في الحياة. لكنّ شيئاً واحداً بقي كما هو: صورة الشيخ عزّت في الذاكرة، بابتسامته الطيّبة، وماكينته اليدوية، وكرسته الخشبية، وعبارته التي كانت أحنّ من أيّ حساب.
رحل الشيخ عزّت فيّاض، رحمه الله، لكنّه لم يرحل من حارات بدغان ولا من قلوب أهلها. فبعض الناس لا يحتاجون إلى نصبٍ تذكاريّ كي يبقوا أحياء؛ تكفيهم سيرة عطرة، وذكرى جميلة، ودعوة صادقة من شخصٍ لم ينسَ يوماً معروفاً صنعوه له.
سلامٌ لروح الشيخ عزّت، حلاق الحارة وصاحب القلب الكبير. سلامٌ لرجلٍ لم تكن أدواته كثيرة، لكنّ إنسانيته كانت واسعة، ولم تكن قصّاته متنوّعة، لكنّ أياديه كانت ممدودة بالخير. ترك وراءه أكثر من ذكريات حلاقة؛ ترك درساً في البساطة والتكافل والكرامة كاغلبية اهل بدغان ، وشهادةً على زمنٍ كان فيه الإنسان أغلى من المال.
وفي زمنٍ أصبحت فيه كلّ الأشياء قابلة للبيع والشراء، تبقى حكاية الشيخ عزّت تذكيراً بأنّ أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما جمعه، بل ما زرعه من محبّة في قلوب الناس.
لأنّ من لا ماضيَ له، لا حاضرَ يكتمل به… ومن لا يذكر الطيّبين الزمن الجميل، يخسر جزءاً من حكاية قرىة.