في اليوم العالمي للمسنين

تسنيم الريدي
صحفية مستقلة
في اليوم العالمي للمسنين:
قصص كبار السن في لبنان ... الرعاية الصحية والدعم النفسي أولوية إنسانية ملحة
مع التقدم في العمر، تتزايد احتياجات كبار السن الصحية والاجتماعية والنفسية، خاصة في المجتمعات التي تواجه الفقر أو النزاعات أو الكوارث الطبيعية. وفي لبنان، تزداد أهمية توفير الرعاية والحماية لهذه الفئة مع ارتفاع أعداد المسنين وتعرض نسبة منهم لظروف اقتصادية صعبة.
وبحسب بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA، يبلغ عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر في لبنان نحو 765 ألف شخص، بما يمثل 11.2% من إجمالي السكان، بينما تشير التوقعات إلى ارتفاع العدد إلى نحو 1.7 مليون شخص، أي 27.1% من السكان في عام 2025.
وتظهر البيانات كذلك حجم التحديات الاقتصادية التي تواجه كبار السن، إذ يعيش 15.4% من النساء و13% من الرجال على دخل يقل عن نصف متوسط الدخل القومي، في حين ترتفع معدلات الفقر بين المسنين إلى 33.7% لدى النساء و35.8% لدى الرجال.
تحديات صحية ونفسية واجتماعية متزايدة
لا تقتصر معاناة كبار السن على الجانب الاقتصادي، إذ تفرض مرحلة التقدم في العمر تحديات صحية متعددة، من بينها ضعف السمع والبصر، ومشكلات المفاصل والحركة، إلى جانب ارتفاع مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
وتتداخل هذه المشكلات مع تحديات نفسية واجتماعية قد تكون أكثر قسوة، خصوصاً عند فقدان شريك الحياة أو ابتعاد الأبناء، وما يترتب على ذلك من شعور بالوحدة والعزلة والحاجة إلى المساندة.
كما يجد بعض المسنين أنفسهم أمام ضعف في الموارد المالية أو محدودية القدرة على الحصول على الرعاية اللازمة، الأمر الذي يجعل توفير الخدمات الصحية والغذائية والدعم النفسي والاجتماعي جزءاً أساسياً من ضمان حياة آمنة وكريمة لهم.
الرعاية الصحية والدعم النفسي ضمن أولويات العمل الإنساني
وفي البلدان التي تعاني الفقر أو الحروب أو الكوارث الطبيعية، قد تتضاعف احتياجات كبار السن في الوقت الذي تتركز فيه جهود الإغاثة غالباً على الاستجابة للحالات الأكثر إلحاحاً.
وفي هذا السياق، تؤكد لايف للإغاثة والتنمية Life For Relief and Development أهمية إدراج كبار السن ضمن برامج الاستجابة الإنسانية والتنمية المجتمعية.
وتقول فيكي روب، مدير البرامج الوطنية والدولية بالمؤسسة:
"وفقاً لتقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان، تبلغ نسبة كبار السن الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر نحو 8% من سكان العالم اليوم. وفي العالم العربي، من المتوقع أن يرتفع عددهم من نحو 27 مليون شخص عام 2015 إلى 50 مليوناً في عام 2030، ثم يتجاوز 80 مليوناً بحلول عام 2045.
ومن المتوقع أيضاً أن تتجاوز نسبة كبار السن نسبة الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عاماً في عدد من الدول العربية بحلول منتصف القرن، ومن بينها لبنان وبعض دول الخليج ودول في المغرب العربي.
ومن خلال برامج لايف التي نفذناها في 60 دولة على مدار 34 عاماً، حرصنا على أن يكون كبار السن جزءاً من أولوياتنا في مختلف مجالات العمل، سواء في الاستجابة للطوارئ، أو مساعدة اللاجئين والنازحين، أو البرامج التنموية والمستدامة، بما يشمل الرعاية الطبية، وتوفير المياه النظيفة، والمساعدات الموسمية، وبرامج دعم الأسر، إلى جانب مشروعات الكفالات والتعليم".
كبار السن في مخيمات النزوح.. احتياجات لا تحتمل التأجيل
وفي لبنان، تحدث محمد الشريف، مدير مكتب لايف في لبنان، عن جانب من البرامج الموجهة إلى كبار السن الأكثر احتياجاً، موضحاً أن المؤسسة تعمل على تقديم الدعم لهذه الفئة في دور الرعاية بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية قائلاً: "حرصنا على منح كبار السن مساحة للحوار ومشاركة تجاربهم وقصصهم، لأن ما يحملونه من خبرات وذكريات يمثل قيمة إنسانية كبيرة. وتشمل أنشطتنا أيضاً توفير وجبات غذائية مناسبة وهدايا رمزية، إلى جانب تقييم احتياجاتهم بصورة مستمرة.
كما ننظم ورشاً لتعليم أساسيات استخدام التكنولوجيا بما يساعدهم على التواصل مع أفراد أسرهم، ونوفر أنشطة تعليمية وهوايات ترفيهية تتناسب مع إمكاناتهم، إلى جانب الاستفادة من خبراتهم وتجاربهم في أنشطة تخدم المجتمع".
ويضيف أن الدعم لا يتوقف عند الجانب الاجتماعي، إذ يشمل توفير الأدوية والفحوصات الطبية الدورية والعلاج المستمر، فضلاً عن دعم خدمات التمريض والفرق الطبية المتنقلة لمتابعة الحالات التي تحتاج إلى رعاية خاصة.
كما تشمل المساعدات توفير الغذاء بصورة منتظمة، والملابس والأغطية، خاصة خلال فصل الشتاء، والمساعدات المالية لتلبية الاحتياجات الأساسية، ولا سيما لدى كبار السن الذين يتحملون مسؤولية إعالة الأيتام.
الدعم النفسي.. مواجهة الوحدة والعزلة
ويظل الجانب النفسي جزءاً مهماً من احتياجات كبار السن، لذلك تتضمن البرامج جلسات للاستماع والدعم النفسي وأنشطة اجتماعية تساعدهم على استعادة التواصل مع محيطهم والتقليل من آثار العزلة.
ويشير الشريف إلى أن إشراك المسنين في الفعاليات المجتمعية يساهم في تعزيز إحساسهم بقيمتهم ودورهم، كما يساعد على ترسيخ ثقافة احترام كبار السن وتقدير ما قدموه طوال حياتهم.
ويضيف:" قد يكون بعض كبار السن شديدي العزة بالنفس، ولذلك لا يطلبون المساعدة رغم حاجتهم إليها، وهو ما يجعل الوصول إليهم وتقييم احتياجاتهم أمراً بالغ الأهمية، خصوصاً لدى من يعانون إعاقات أو أمراضاً مزمنة".
الحرب تزيد أعباء كبار السن
وخلال فترات الحرب والنزوح، تصبح حياة كبار السن أكثر تعقيداً، إذ قد يفقد بعضهم أبناءهم أو مصادر دخلهم، ليجدوا أنفسهم فجأة مسؤولين عن أحفاد أو أطفال فقدوا والديهم.
ويقول الشريف إن فرق الإغاثة عملت خلال الحرب على إيصال المساعدات الغذائية والطبية والمستلزمات الموسمية إلى الأسر الأكثر تضرراً في مخيمات النزوح، والتي تضم في كثير من الحالات كبار سن يعانون أمراضاً مزمنة أو فقدوا أبناءهم.
وهكذا يتحول المسن الذي يحتاج في الأصل إلى من يعتني به إلى شخص يتحمل مسؤولية أطفال وأحفاد في ظروف بالغة الصعوبة.
شهادات إنسانية تكشف احتياجات كبار السن
ولا تظهر احتياجات كبار السن دائماً في صورة طلب مباشر للمساعدة، إذ تحمل بعض القصص اليومية معاناة صامتة لا يلتفت إليها الآخرون إلا عندما تتوفر لهم فرصة التعبير عنها.
يقول سيمون، 65 عاماً من لبنان:
"كان قضاء الحاجة بطريقة تحفظ كرامتي من أكبر الصعوبات التي واجهتها، ومع توفير المستلزمات الطبية أصبحت الأمور أسهل، ولم أعد أشعر بالخجل المستمر ممن حولي".
ويقول أبو ناصر، 71 عاماً:
"الحرب لم تترك لي فرصة لأعيش شيخوختي بهدوء. بعد وفاة ابني وزوجته وجدت نفسي مسؤولاً عن ستة أطفال. ساعدني توفير السلال الغذائية ومستلزمات النظافة الشخصية والمياه على التخلص من الخوف المستمر من أن يضطر أحد أحفادي الصغار للخروج بحثاً عن احتياجاتنا. كما أن توفير دورات المياه في المخيم منحني وزوجتي راحة كبيرة".
أما فاطمة، 73 عاماً ، فتروي تجربتها بعد تهدم بيتها :" كنت أشعر بخوف شديد ولم أكن قادرة على الحركة أو الكلام بشكل طبيعي. وفرت لنا لايف مكاناً مناسباً للإيواء، كما حصلنا على الرعاية الطبية بعد ما تعرضنا له".
النزوح.. احتياجات تتغير ولا تنتهي
عائشة، 67 عاماً، وجدت نفسها بعد الحرب أمام واقع جديد:" أصبحنا في العراء نواجه الخوف والبرد القارس. وبعد نزوحنا تابعتنا لايف ووفرت لنا الاحتياجات الأساسية، بدءاً من الإيواء والأدوية وصولاً إلى الملابس والسلال الغذائية، واستمرت في متابعة أوضاعنا حتى تحسن استقرارنا".
بعد الكوارث.. كبار السن بحاجة إلى الأمان والرعاية
أما إيمان، 59 عاماً، وجدت نفسها مع ابنتها الحامل وأحفادها أمام رحلة نزوح شاقة بسبب الحرب:" كنت فقط أحتاج المأوى الآمن، والدواء ".
أما أبو محمود، 54 عاماً ، فكانت تجربته مختلفة، بعدما انتقل حديثاً إلى دار للمسنين، حيث يقول:
"كان الصمت أكثر ما يؤلمني في بداية وجودي داخل الدار. لكن فريق المتطوعين جعلني أشعر بالراحة من خلال الحديث معي والاستماع باهتمام واحترام دون مقاطعة".
أما أمجد، 71 عاماً، سبباً جديداً للفرح بعدما أعادت لايف تأهيل مدرسة أحفاده، ليتمكن الأطفال من العودة إلى مقاعد الدراسة.
وكان لهذا الدعم أثر يتجاوز إعادة فتح المدرسة، إذ خفف عن الجد عبء البحث عن المساعدة من الآخرين لتوفير احتياجات أحفاده الأيتام.
حماية كبار السن مسؤولية إنسانية مشتركة
وتكشف هذه الشهادات أن احتياجات كبار السن لا تتوقف عند الدواء والغذاء، بل تمتد إلى الأمان، والكرامة، والتواصل الاجتماعي، والدعم النفسي، والحصول على الخدمات الأساسية في أوقات الأزمات.
ومع تزايد أعداد كبار السن في لبنان والمنطقة العربية والعالم، يصبح دمج هذه الفئة بصورة واضحة في خطط الرعاية الصحية والاستجابة للكوارث والبرامج الاجتماعية أمراً أكثر أهمية، خصوصاً عندما تتزامن الشيخوخة مع الفقر أو النزوح أو المرض أو فقدان أفراد الأسرة.
فالحفاظ على كرامة كبار السن لا يرتبط فقط بتقديم المساعدة عند الحاجة، وإنما بإتاحة الرعاية التي تمكنهم من الشعور بالأمان والاستقلال والتقدير، ورد جزء من الجميل لمن أمضوا سنوات طويلة في بناء أسرهم ومجتمعاتهم.