صوفر نيوز Sawfar News
حجم الخطّ

من ذاكرة صوفر... حكاية الأستاذ عارف فياض، حين كان معلّم واحد يصنع مستقبل أجيال

من ذاكرة صوفر... حكاية الأستاذ عارف فياض، حين كان معلّم واحد يصنع مستقبل أجيال

اعداد محرر صفحة صوفر نيوز

قبل أن تمتلئ الصفوف بالتلاميذ، وقبل أن تصبح المدارس مؤسسات تعجّ بالمعلمين والكتب والدفاتر، كانت في صوفر حكاية تعليم مختلفة بدأت ببساطة، لكنها تركت أثراً كبيراً في ذاكرة البلدة وأجيالها.

في تلك الأيام، كانت المدرسة متواضعة، صفوفها قليلة، وإمكاناتها محدودة، وكان الأستاذ عارف فياض، المولود في صوفر عام 1927، يقف وحيداً في مواجهة مسؤولية التعليم، معلّماً ومربّياً وحاملاً رسالة لم تكن سهلة في زمن شحّ الإمكانات.

وكان الأستاذ عارف، خريج مدرسة الدودية التي تأسست عام 1917، قد تولّى إدارة مدرسة صوفر الرسمية في أوائل خمسينيات القرن الماضي، وكان عدد تلامذتها لا يتجاوز سبعة طلاب!

سبعة تلامذة فقط... لكن المفارقة أن هؤلاء التلامذة حققوا نجاحاً لافتاً في امتحانات الشهادة الابتدائية (السرتيفيكا)، وبمعدلات مرتفعة، فكان ذلك بمثابة شهادة ثقة بمستوى التعليم فيها، ونقطة تحوّل في مسيرة المدرسة الرسمية .

وسرعان ما بدأت أصداء نتائجها تتردد في القرى المجاورة، فتوافد إليها التلامذة من المناطق المحيطة، طلباً للعلم والاستفادة من المستوى التعليمي الذي اشتهرت به. ومع ازدياد أعدادهم، تعزّزت المدرسة بمعلمين إضافيين، وتحولت من صف صغير يضم سبعة تلامذة إلى مؤسسة تربوية لها حضورها ودورها في المنطقة.

ولأن المدرسة لم تكن حجارة ومقاعد فقط، فلنتوقف قليلاً عند تفاصيل تلك الأيام...

نتذكر صباحات الشتاء الباردة، حين كان التلميذ يغادر منزله حاملاً حقيبته الصغيرة، وفي يده قطعة حطب أو حطبة يقدّمها للمدرسة، لتجتمع حصص التلامذة من الحطب حول المدفأة، ويصبح الدفء مسؤولية الجميع.

كانت المدفأة في قلب الصف، يتجمع حولها البرداء، فيما تتصاعد رائحة الحطب والدخان، وتمتزج أصوات التلامذة بصوت المعلّم وهو يشرح الدرس. لم تكن هناك وسائل تدفئة حديثة ولا تجهيزات مريحة، لكن كان هناك دفء آخر تصنعه الألفة والمحبة وروح المشاركة.

وكانت المقاعد الخشبية واللوح الأسود والطبشور أدوات يومية لا غنى عنها. وكانت دفاتر التلامذة بسيطة، وأقلامهم قليلة، لكن قيمة العلم في عيونهم كانت كبيرة.

أما الأستاذ عارف ، فكان له مقام خاص؛ كلمته مسموعة، وهيبته حاضرة، واحترامه يمتد من الصف إلى البيوت. لم يكن دوره محصوراً بتعليم القراءة والكتابة والحساب، بل كان يعلّم السلوك والانضباط والاعتماد على النفس واحترام الآخرين.

يا لها من أيام! لم يكن التلميذ يسأل كم بقي من الوقت حتى تنتهي الحصة، بل كان ينتظر أن يتعلم شيئاً جديداً، ولم تكن المدرسة تحتاج إلى شاشات وأجهزة لتصنع جيلاً، بل إلى معلّم مخلص وإرادة أهل وطلاب يعرفون قيمة الفرصة التي بين أيديهم.

واليوم، ونحن نستعيد هذه المحطة من تاريخ التعليم في صوفر، لا نستعيد مبنى أو أسماء فحسب، بل نستعيد مرحلة صنعت رجالاً ونساءً، وكان فيها للعلم طعم مختلف، وللمعلّم مكانة لا تُنسى.

ويبقى الأستاذ عارف فياض، أطال الله بعمره ومتّعه بالصحة والعافية، شاهداً حياً على تلك المرحلة، ووجهاً من وجوه الذاكرة التربوية التي تستحق أن نحفظها ونرويها للأجيال الجديدة.

فبعض المدارس تكبر بمبانيها، وبعضها يكبر بما خرّجته من أجيال... ومدرسة صوفر الأولى بدأت بسبعة تلامذة، لكنها تركت حكاية أكبر بكثير من عددهم.

من صوفر... من ذاكرة لا تشيخ.

#من_ذاكرة_صوفر #صوفر #تاريخ_التعليم #تراث_صوفر #صوفر_نيوز

العودة إلى كل الأخبار