القطاع التّربويّ ما بعد الازمات: تحدّيات وآفاق

قراءة لأبرز الّتحّديات التي واجهها وما زال يواجهها القطاع التربوّي لا سيما الجامعي بعد الحرب مع الدّكتورة مايا شيّا صياغة- أستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة LAU وفي الجامعة اللبنانيّة.
إنّ أحد أكبر التحدّيات التي خلّفتها الحروب والأزمات، لا سيّما الاقتصاديّة منها، هي التحديات التّربويّة التي تطال كافّة حقول التّعلم والتّعليم؛ بل تمتدّ لتشمل الموارد البشريّة والنفسيّة والمادّيّة، ممّا ينعكس سلبًا على جودة التّعليم الجامعيّ.
للحروب آثار مدمرة على جميع قطاعات الحياة كافة، وعلى رأسها القطاع التعليمي الذي يشكل حجر الزاوية لتطور أي مجتمع. التعليم الجامعي، الذي يجب أن يكون حاضنًا للعلم والمعرفة والابتكار وتمكين المتعلم من مواجهة التحديات المرتقبة، يتعرض لتهديدات خطيرة تؤثر على جودته، وربما استمراريته بعد فترات النزاع على وجه الخصوص.
تدمير البنية التّحتيّة للمؤسّسات التعليميّة
من أبرز التّحدّيات التي يواجهها التّعليم الجامعيّ بعد الحرب هو تدمير البنية التّحتيّة للمؤسّسات التعليميّة. ففي العديد من البلدان التي مرّت بحروب مدمِّرة، تجد أن الجامعات والمراكز التعليميّة تتعرّض لأضرار جسيمة، مما يعيق قدرة الطّلّاب على الوصول إلى التعلّم. في بعض الحالات مثلاً، قد تتوقّف الجامعات عن تقديم برامجها المعتادة.
تدهور الموارد الماليّة
بعد الحرب، غالبًا ما تعاني الحكومات من أزمة اقتصاديّة خانقة مما يؤثر بشكل مباشر على تمويل الجامعات والمراكز التعليميّة. على سبيل المثال، تجد أن العديد من الجامعات قد تضطّر لتقليص الميزانيّات المخصّصة للبحث العلميّ، أو تقليل عدد المنح الدراسيّة، أو حتّى تقليل عدد الكلّيّات والأقسام التي تغني ديناميّة التعلّم والتّعليم.
التحدّيات النّفسية والاجتماعيّة للطّلّاب
من خلال تجربتي التعليميّة، يمكنني التّأكيد أنَّ لهذا الجانب من التّحدّيات أثراً عميقاً، وقد يكون بعيد المدى مع الأسف. فبغضّ النّظر عن قدرة الانسان الفطريّة على التّأقلم والتكّيّف مع مختلف الظّروف المحيطة به، إلّا أنَّ الآثار النّفسيّة ليست كالخسائر المادّيّة. فمثلاً، عندما نقدّم دعما مادّيّا لأيّ مؤسّسة، تعليميّة كانت أم غير تعليميّة، يمكننا القول أنَ "الخسائر الماديّة" قد تمّ تعويضها! لا يمكننا تطبيق ذلك على الآثار النفسية التي لا ترمم على هذا القدر من البساطة! ليس من السهل مثلاً معالجة اضطرابات ما بعد الحروب والصدمات والقلق والاكتئاب وغيرها بالسرعة التي نتمنى! من هنا لا يمكن للجامعات، لا سيما الجامعة اللبنانية، أن تبقى بعيدة عن هذه القضايا، ويجب أن توفّر بيئة تعليميّة داعمة تلبي احتياجات الطّلّاب النّفسيّة. هذا ما قامت به الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة LAU والعديد من الجامعات الرّائدة، حيث تمّ تطوير برامج دعم نفسي للطّلّاب لمواجهة التحدّيات النّفسيّة والاجتماعيّة التي لا تزال تؤثّر على تحصيل الطّلّاب الأكاديمي ومشاركتهم الفعّالة في الأنشطة الجامعيّة وانخراطهم في سوق العمل.
الاعتماد على التّعليم الّرقمي والتّعليم عن بُعد
إن التّعليم بعد الحرب لا يتطلب فقط إعادة بناء البنية التّحتيّة للمؤسّسات التعليمية، بل أيضًا استراتيجيَات مبتكرة لاستعادة الثقة والقدرة على التّحصيل العلمي. يجب على الجامعات أن تواكب هذه التّحديات من خلال تحسين البرامج التعليميّة، لا سيّما التّعليم عن بعد، والاستفادة من التّكنولوجيا الحديثة في تحسين هذه العمليّة التعليميّة.
الذّكاء الاصطناعي : صديق أم عدوّ؟
أمّا بالنّسبة للذّكاء الاصطناعي، الذي بات عنواناً للأمر الواقع، فكيف يمكن للمؤسّسات التربويّة ان تحصد الفائدة لا المزيد من النّقاشات غير المجدية والتي يرافقها القلق والخوف من هذا "المُتحدّي الجديد" والذي لا بّد أن نتصالح معه مستقبلا؟ ولمّا كان الإنسان عدوّ ما يجهل، لا بدّ للمؤسّسات التّربويّة أن تعي أهميّة الانخراط البنّاء في ديناميّة الذّكاء الاصطناعي ضمن إطار قانوني تنظيمي على المعنيّين ترسيمه على صعيد الّدولة والمؤسّسات.
كان ذلك قراءة لبعض التحدّيات وجانباً من أوجه الحلول المرجوّة التي يمكننا التّوسُّع في النّقاش حولها لاحقاً، واضعين ذلك برسم الحكومة العتيدة على وجه العموم، ووزارة التّربية والتعليم العالي على وجه الخصوص، كما برسم وزارة عنوانها وللمرّة الأولى في لبنان شؤون التكنولوجيا والذّكاء الاصطناعي، والتي نأمل أن تصبح وزارة سياديّة للذّكاء الاصطناعي والحوكمة الرقميّة والابتكار.
الدّكتورة مايا شيّا صياغة
أستاذة محاضرة في الجامعة الّلبنانية الأميركيّة LAU - كليّة إدارة الأعمال
وفي قسم الدراسات العليا لإدارة الموارد البشريّة MSHRM
منسّقة برامج Soft Skills
أستاذة إدارة الموارد البشريّة واستراجيّات التّسويق في قسم الدّراسات العليا
في الجامعة اللّبنانيّة