لبنان بين فتور أميركي وتراجع دولي... هل دخل مرحلة "الانتظار الاستراتيجي"؟

بقلم العميد وليد شـيّا 8/6/2025
يتسارع تغيّر المزاج الدولي تجاه لبنان في وقت دقيق تقف فيه البلاد على مفترق طرق حاسم، تتشابك فيه الحسابات الإقليمية والدولية، وتغيب عنه المبادرات الفاعلة. وبينما تستمر هدنة الجنوب الهشة منذ أكثر من ستة أشهر بين "حزب الله" وإسرائيل، تشير المعطيات إلى أن لبنان بات خارج لائحة الأولويات الأميركية، مع ما يحمله ذلك من دلالات استراتيجية.
بحسب مصادر دبلوماسية غربية، فإن التراجع الأميركي في التعاطي مع الملف اللبناني لم يعد موضع شك. فمنذ إقالة المتحدثة السابقة باسم الخارجية الأميركية مورغان أورتاغوس، التي كانت تتولى في فترات معينة متابعة الملف اللبناني من زاوية إعلامية ودبلوماسية، لم تُعيّن إدارة ترامب حتى الان مبعوثاً خاصاً جديداً للبنان، كما هو الحال في ملفات أخرى تعتبرها واشنطن أكثر إلحاحاً كأوكرانيا أوسوريا او غزة.
ويُنظر إلى هذا الفراغ بوصفه جزءاً من تحول أوسع في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، حيث يتجه البيت الأبيض إلى خفض الانخراط المباشر في أزمات المنطقة، وتسليم بعض ملفاتها لحلفاء إقليميين، أبرزهم السعودية وإسرائيل، في إطار إعادة توزيع الأدوار ضمن النظام الإقليمي الجديد.
ورغم ما يُحكى عن دعم أميركي مستمر للمؤسسات اللبنانية، لا سيما الجيش، فإن الرسائل التي تصل من واشنطن تعبّر عن تململ واضح من الخطوات البطيئة جداً التي تتخذها بيروت في ما يخص نزع سلاح "حزب الله" وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية.
ويبدو أن الرهان الأميركي على الحكومة اللبنانية لتحقيق تغييرات جذرية بدأ يتآكل، وسط شعور بأن بيروت غير قادرة – أو غير راغبة – في تجاوز التوازنات الداخلية المقيّدة، في ظل استمرار نفوذ "حزب الله" وهيمنته على القرار الاستراتيجي.
هذا الفتور لا يقتصر على الولايات المتحدة، إذ تُظهر مؤشرات واضحة تراجع الحماسة العربية تجاه دعم لبنان، وهو ما يتقاطع مع رؤية غربية تعتبر أن لبنان "يجب أن يساعد نفسه أولاً" كي يحظى بدعم دولي.
في هذا السياق، برزت أخيراً زيارة المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت، والتي وُصفت بأنها زيارة "خجولة" وغير منتظر منها أي نتائج ملموسة. وبحسب مصادر دبلوماسية فرنسية، فإن باريس باتت تنظر إلى لبنان بوصفه "ملفاً عالقاً" بانتظار تغييرات إقليمية أوسع، لا تملك فرنسا وحدها أدوات تحقيقها.
ووفق تقرير صادر عن "مجموعة الأزمات الدولية" في نيسان الماضي، فإن الجمود السياسي اللبناني، وغياب الإرادة لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة، دفع عدداً من المانحين إلى إعادة النظر في جدوى الاستثمار السياسي والاقتصادي في هذا البلد.
كما نقلت صحيفة Foreign Policy في تقرير حديث أن الملف اللبناني "يتراجع بسرعة على طاولة القرار الأميركي لصالح ملفات أكثر إلحاحاً"، مشيرة إلى أن البيت الأبيض يفضل الآن إدارة الأزمة اللبنانية عن بُعد، بدل الانخراط في تفاصيلها المعقدة.
كل هذه المؤشرات تقود إلى خلاصة واحدة: لبنان بات في موقع الانتظار الإقليمي والدولي. لا مبادرات، لا مساعدات كبرى، ولا تعيين مبعوثين خاصين. وهو ما يجعل الحديث المتكرر عن "فرص الإنقاذ" أو "التسويات القادمة" يبدو بعيداً عن الواقع، في ظل غياب آلية تنفيذية واضحة.
وبينما تتحضر المنطقة لمشهد إقليمي جديد، يبدو أن لبنان أُدرج في خانة الدول المؤجلة، بانتظار أن تُحسم الملفات الأكبر، وفي مقدمها: ملف سلاح "حزب الله" ووجهة التوازنات السياسية المقبلة.