صوفر نيوز Sawfar News

إخباريّة · سياسيّة · ثقافيّة · رياضيّة · إجتماعيّة

حجم الخطّ

باراك في بيروت: دبلوماسية ناعمة بقبضة صلبة

باراك في بيروت: دبلوماسية ناعمة بقبضة صلبة

بقلم العميد وليد شيا – الملحق العسكري السابق في تركيا

زيارة المبعوث والسفير الأميركي في تركيا والموفد الخاص إلى سوريا توماس باراك إلى بيروت ليست زيارة بروتوكولية، ولا يمكن تصنيفها في خانة اللقاءات الروتينية التي تعودنا عليها في محطات الأزمات. هذه الزيارة تحمل في طياتها ما هو أبعد من الكلمات التي قيلت خلف الأبواب المغلقة. لقد اختار براك أن يتحدث بلغة هادئة، لكن من يقرأ جيداً في تفاصيل مهمته يدرك أن صرامة الموقف الأميركي وصلت بوضوح إلى بيروت.

الهدوء في الشكل، هو أحد أبرز أدوات الدبلوماسية الأميركية عندما تريد أن تضغط دون أن تثير الضجيج. وهذه الدبلوماسية الناعمة التي اعتمدها براك، لم تكن مرادفاً للتراجع أو الليونة، بل وسيلة متقنة لتمرير رسائل حاسمة بلا تهديدات صريحة.

الرسائل الأربع التي حملها براك خلال جولته على المسؤولين اللبنانيين كانت أشبه بخارطة طريق أميركية لتجنيب لبنان الانزلاق إلى قلب الحرب التي تدور بين إسرائيل وإيران.

أولاً: تحييد لبنان كان العنوان الأبرز. فالإدارة الأميركية تعتبر أن انخراط حزب الله في المواجهة سيشكل خطأً استراتيجياً يدفع ثمنه لبنان قبل أي طرف آخر.

ثانياً: ملف السلاح غير الشرعي الذي لا يزال بنداً ثابتاً على جدول الأولويات الأميركية، مع التأكيد على ضرورة معالجته ضمن خطة تدريجية ولكن مستمرة.

ثالثاً: الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تعتبرها واشنطن مدخلاً إلزامياً لاستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.

رابعاً: تنظيم العلاقة مع دمشق بما يضمن ضبط الحدود المشتركة ومعالجة ملفات متشابكة كأزمة اللاجئين.

هذه العناوين ليست جديدة في قاموس السياسة الأميركية تجاه لبنان، لكنها اليوم تأتي في توقيت حساس، وتحت سقف الحرب المفتوحة بين تل أبيب وطهران. ومن هنا، يبدو أن بيروت أصبحت في سباق دقيق مع الزمن، حيث يتقاطع الحراك الدبلوماسي مع التصعيد العسكري المستمر في الإقليم.

واشنطن تريد أن تمنح لبنان فرصة للبقاء خارج مرمى النيران، لكنها في الوقت نفسه، لن تتسامح طويلاً مع مشهد بقاء السلاح خارج سلطة الدولة أو مع استمرار التلكؤ في تنفيذ الإصلاحات. وهذه هي خلاصة الدبلوماسية الأميركية في هذه المرحلة: ناعمة في المظهر، لكنها مشروطة، ضاغطة، وصارمة في الجوهر.

الرهان اليوم على قدرة بيروت على التقاط هذه اللحظة، لأن خيارات التلكؤ أو الحياد الرمادي قد لا تبقى متاحة طويلاً. فالتطورات في المنطقة تتسارع، والخطوط الحمراء أصبحت قيد التفاوض في الميدان، لا على الطاولة فقط.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح بيروت في البقاء خارج مرمى النيران أم أن القرار سيفلت من يدها في لحظة حسابات خاطئة؟

إنها لحظة مفصلية لا تحتمل التردد. فإما أن ينجح لبنان في تثبيت موقعه خارج حلبة النار، أو يسقط مجددًا في دائرة التصفيات الإقليمية. براك جاء ليقولها بوضوح: الباب لا يزال مفتوحًا أمام الحل، لكن من يتركه مفتوحًا طويلاً قد يجد العاصفة على عتبة داره. الخيارات تضيق، والوقت يركض، والحياد لم يعد وجهة نظر، بل مسألة حياة أو سقوط.

العودة إلى كل الأخبار