بقلم العميد وليد شيا | ملحق عسكري سابق في تركيا

في عيد الجيش الثمانين: الولاء لا يُحال على التقاعد
بعد أكثر من ثلاثين عامًا من الخدمة، أكتب اليوم من موقع الضابط المتقاعد... لا من موقع المتفرّج. تنقّلت خلالها بين المواقع والمهمات، من مراكز الثكن إلى جبال الوطن ومن شماله الى جنوبه، ومن الحدود الملتهبة إلى تمثيل الجيش كملحق عسكري في الخارج، ولا زلت أشعر أنني جزء من هذا النبض – نبض المؤسسة التي ما بدّلت يوماً قسمها.
في هذه المسيرة، عرفت طعم التعب والحلو والمُرّ، كما عرفته كل رُتبة حملتها، وكل رفيق عبر دربي. سهرنا حين نام الآخرون، تجمّدنا في البرد بينما كثيرون كانوا ينعمون بالدفء، وتركنا عائلاتنا مرات لا تُعدّ، لأننا اخترنا لبنان قبل أي شيء.
لا أنسى الرفاق الذين شاركوني الرحلة، وجوهٌ ما زالت في الذاكرة، بعضهم ما زال يواصل، والبعض الآخر غادر أو استشهد، لكن ذكراهم حية في القلب وروح المؤسسة. سهرنا وبكينا بصمت على فراقهم، ووقفنا معًا صامدين رغم الصعاب.
لم نندم يومًا، لأن الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن كان أكبر من كل حسابات الراحة والمصلحة. كنا نؤمن أن الدولة تبدأ من هنا... من البذلة، من الانضباط، من الصوت الذي يردد القسم بقناعة لا تزول.
اليوم، وأنا أتابع رفاق السلاح وهم يواصلون الدرب، أشعر بكل ما يثقل كاهلهم. أعرف وجع الجندي حين يُترك في مهبّ الأزمة، بلا غطاء كافٍ أو تقدير يوازي التضحية. ومع ذلك، لا تزال قلوبهم تخفق بالإيمان، وعيونهم تسهر بلا ضجيج، لأنهم اختاروا الولاء لوطن، لا لموقع.
ولو أصبحت في التقاعد، أنا أعيش معكم. ما زلت أستفيق على أخبار المؤسسة كأنني ما زلت في الخدمة، وأدعو لها في كل لحظة.
في عيد الجيش الثمانين، أرفع التحية إلى كل من ما زال في الميدان، وإلى من غادر الميدان جسدًا لكنه بقي فيه قلبًا وروحًا.
فالجيش لا يُختصر برتبة أو منصب، بل بتلك العلاقة التي لا ينهيها تقاعد... لأنها ببساطة، علاقة حياة.
ولأننا أبناء هذا الجيش، سنبقى أوفياء له، كلٌّ من موقعه، حاملين معه عبء الوطن وأمل خلاصه.
الولاء لا يُحال على التقاعد.