صوفر نيوز Sawfar News

إخباريّة · سياسيّة · ثقافيّة · رياضيّة · إجتماعيّة

حجم الخطّ

فاروق غانم خداج

فاروق غانم خداج

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

يكتب: محمد شيا يعيد كمال جنبلاط حيّاً في الذاكرة والفكر

المصدر: "النهار"

"أكتبُ كأنما أنقذ روحي من الغرق، والسياسة بحرٌ لا شاطئ له". بهذه الكلمات التي دوّنها كمال جنبلاط في لحظة صدق نادرة، يتجلّى جوهر الصراع الذي عاشه أحد أبرز المفكرين الثوريين في القرن العشرين العربي. في كتابه الموسوعي "كمال جنبلاط: لزمن آخر!" الصادر عن دار النهار عام 2007، والذي يضم بين دفتيه 314 صفحة، يقدم الدكتور محمد شفيق شيا قراءةً شاملة لشخصية جمعت بين السياسي الثوري والفيلسوف المتأمل والشاعر الحالم.

الكتاب، الذي يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية، لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية، بل يغوص في أعماق شخصية مثقفة عربية نادرة، عاشت على وقع التناقضات الخلاقة بين الأرستقراطي المولود في قصر والمتمرد على امتيازاته الطبقية، وبين السياسي المحنك والفيلسوف المنعزل للتأمل، وبين الزعيم الطائفي الذي كرّس حياته لمحاربة الطائفية، وبين المقاتل المسلح والشاعر الصوفي الباحث عن الوحدة الداخلية.

يكشف شيا في تحليله العميق عن المكونات الفكرية التي صاغت عقل جنبلاط. فقد تأثر بحكمة الشرق من خلال انفتاحه على الفلسفات الهندية والبوذية، واستلهم الروحانية الإسلامية في قراءته العميقة للتقاليد الصوفية، لا سيما نصوص ابن عربي. كما نهل من الفكر الغربي الحديث، متأثراً بالوجودية في بعدها الإنساني، وبالماركسية في بعدها الاجتماعي، دون أن يقيده أيديولوجيا جامدة. كان شغوفاً بالأدب العالمي، يقرأ رامبو وبودلير بشغف، ويترجم عوالمهما إلى خطاب سياسي وأدبي معاً.

يولّي شيا مساحة وافية لما أسماه "الكتابات السرية"، وهي النصوص التي تكشف عن الجانب الإنساني الخفي في حياة جنبلاط. منها يوميات كتبها بالفرنسية بخط يده، لم يرغب في نشرها، ورسائل غرامية إلى زوجته مي تكشف عن رومانسي متأمل يختبئ خلف المواقف الصلبة، وقصائد صوفية لم تُنشر في حياته تؤكد أن بحثه عن المعنى ملازم له حتى في أحلك الظروف. هذه الوثائق تقدّم صورة رجل يراوح بين السياسة والشك فيها، بين الثورة والبحث عن السلام الداخلي، بين القيادة الجماهيرية والشعور العميق بالوحدة الوجودية.

في تحليله الخطابي، يستعرض شيا خطابات جنبلاط البرلمانية بين 1970 و1977، وكيف حاول صياغة خطاب سياسي جديد يتجاوز الانقسامات التقليدية. كما يناقش رؤيته المتقدمة للعلاقة بين الدين والدولة، وكيف سعى إلى تأسيس فهم تقدمي للإسلام السياسي يلتقي مع القيم الإنسانية الكونية. يتوقف شيا عند موقف جنبلاط المثير للجدل من القضية الفلسطينية، حيث جمع بين الانحياز المبدئي للحقوق الوطنية الفلسطينية والرؤية الإنسانية التي ترفض الإلغاء. كما يُبرز محاولاته الجدّية لربط الاشتراكية بالخصوصية اللبنانية والتنوع الطائفي والثقافي في مشروعه للعدالة الاجتماعية.

في فصل بليغ المعنى بعنوان "لماذا يقتلون الشعراء؟"، يربط شيا ببراعة بين اغتيال جنبلاط الجسدي في آذار 1977، وبين الاغتيال الرمزي الذي طال إرثه الفكري عبر التشويه والنسيان. لكنه يؤكد أن أفكاره، مثل بذور السنديان، تحتاج إلى وقت طويل لتنمو، لكنها لا تموت، وأن حضورها في الخطاب العربي الراهن يثبت أن الأفكار الحية تجد دائمًا من يتبناها.

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على صدور هذا الكتاب، وأكثر من أربعة عقود على رحيل كمال جنبلاط، يبدو العمل أكثر راهنية من أي وقت مضى. في زمن تحولت فيه السياسة إلى إدارة أزمات، وصارت الثقافة سلعة استهلاكية، وانفصلت النخب المثقفة عن الواقع، يعيد محمد شيا طرح نموذج نادر: المثقف الذي لم يفرط في مبادئه رغم تعقيدات الواقع، السياسي الذي جعل من الأخلاق برنامج عمل لا مجرد شعار، والشاعر الذي ظل يرى الجمال حتى في قلب المأساة.

قراءة هذا الكتاب اليوم ليست مجرد استعادة لذكرى رجل رحل، بل هي تمرين على فهم تحولات الفكر السياسي العربي، وعلى استعادة نموذج المثقف العضوي الذي يعيش قضاياه، وعلى إعادة الاعتبار لفكرة أن السياسة يمكن أن تكون فعلًا أخلاقيًا لا مجرد صراع على السلطة. إنه أيضًا فرصة لإلهام رؤية جديدة للتعددية في زمن الانقسامات، وإعادة اكتشاف كمال جنبلاط بعيدًا عن الأساطير والصور النمطية، وبعيدًا عن الاستقطابات السياسية التي حاصرته في حياته وأساءت إلى إرثه بعد رحيله.

هذا العمل، الذي يمزج بين دقة المؤرخ وعمق الفيلسوف وصدق الصديق، يظل واحدًا من أهم المداخل لفهم شخصية كمال جنبلاط وفكره ومشروعه الإنساني. إنه مرآة لواقعنا الراهن وبوصلة محتملة لمستقبلنا، حيث الحاجة ملحّة إلى أصوات تجمع بين الفكر والعمل، بين الحلم والواقع، وتصرّ على أن الإنسان، مهما كانت الظروف، قادر على أن يصنع زمنًا آخر.

أما عن رأيي الشخصي كباحث مهتم بفكر كمال جنبلاط فقد قرأت عشرات الكتب التي تناولت شخصيته وأفكاره، لكنني وجدت في كتاب الدكتور محمد شفيق شيا هذا الغوص العميق في جانب الإنسان جنبلاط، واحتوائه على خلاصة ما كتب عنه بهذا المعنى، بما يجعله من أهم المراجع لفهم الزعيم في أبعاده المختلفة، بعيدًا عن التماثيل النمطية والصور المبسطة.

العودة إلى كل الأخبار