العسكريون المتقاعدون يفضحون تقصير الحكومة ويعيدون صخب الشارع إلى بيروت

بقلم العميد وليد شيّا
بيروت أمس عاشت على وقع صرخات العسكريين المتقاعدين، الذين أعادوا الشارع إلى واجهته الطبيعية، مطالبين بحقوقهم التي طال انتظارها: رواتب عادلة تحفظ كرامتهم وتقدّر تضحياتهم. هذه التحركات لم تولد من فراغ، بل هي نتيجة تراكم سنوات من الإهمال الرسمي، حيث نظرت الحكومة إلى العسكريين وكأنهم مجرد أرقام مالية تُستثمر عند الحاجة الأمنية أو الانتخابات، وتُهمل عند وقت الاستحقاق والكرامة.
العسكريون الذين ضحّوا بحياتهم في خدمة الوطن، والذين دفعوا أقسى التضحيات في ميادين المواجهة، يجدون أنفسهم اليوم مطموسين في سجلات الجحود السياسي، ينظر إليهم صانع القرار وكأنهم مجرد أدوات رخيصة لتحقيق مكاسب مادية وسياسية وقتية. رفع قيمة الرواتب إلى 50 في المئة مما كانت عليه عام 2019 ليس مطلباً مبالغاً فيه، بل هو استحقاق طبيعي يعكس التضحية والتفاني، وهو أقل ما يمكن للحكومة فعله لرد الاعتبار لهؤلاء الرجال الذين حافظوا على الأمن تحت ظروف استثنائية.
وفي كل مرة تحتاج السلطة إلى الدعم الأمني، يُستدعى العسكري كدرع للدولة، وفي كل استحقاق انتخابي، تُستغل تضحياته لتجميل صورة السياسيين أمام الناس، لكن عند حلول لحظة الوفاء بالحقوق، يختفي هذا الاهتمام كما لو أن الوطن لا يحمل لهؤلاء أي اعتبار، وكأن كرامتهم مجرد ورقة تُرمى عند الانتهاء من استخدامها.
التحركات الحالية للعسكريين المتقاعدين ليست مجرد احتجاج مالي، بل صرخة كرامة ضد حكومة عجزت عن الوفاء بالتزاماتها، وضد طبقة سياسية تستمر في النظر إلى كل مكون أساسي في الدولة بمنظار المصلحة الضيقة، من دون اعتبار للقيمة الوطنية الحقيقية لهؤلاء الأبطال الذين لم يبخلوا يوماً في حماية البلاد.
يبقى تطبيق الاستحقاقات العادلة للعسكريين اختباراً حقيقياً للنخبة السياسية بأسرها، فالتهاون معهم ليس مجرد ظلم للأفراد، بل استهتار بمؤسسات الدولة نفسها. الكرامة الوطنية لا تُباع، والتضحيات لا تُنسى، وأي محاولة لتصوير مطالب العسكريين كمطالب مالية ضئيلة ستفشل أمام إصرار هؤلاء الرجال الذين علّموا الوطن معنى الولاء.