المدرجات اللبنانية تحت الاختبار... عندما يكشف التشجيع أزمة مجتمع

صوفر نيوز
بقلم: العميد المتقاعد وليد شيا
لم تكن مباراة الرياضي والحكمة مجرد مواجهة رياضية حماسية على أرض الملعب، بل تحولت في بعض لحظاتها إلى صورة مؤلمة عن واقع اجتماعي مقلق يفرض على الجميع التوقف عنده. فالمشاهد التي تضمنت عبارات نابية وخروجاً عن حدود المنافسة والروح الرياضية لم تكن تليق بتاريخ كرة السلة اللبنانية ولا بالجمهور الذي لطالما عُرف برقيه وانضباطه.
المشكلة ليست في كرة السلة ولا في كرة القدم، وليست مرتبطة بنوع الرياضة أو حجم المنافسة، بل هي مشكلة ثقافة عامة تتغلغل في المجتمع اللبناني، حيث أصبح التوتر والانفعال والشتائم لغة حاضرة في كثير من المساحات العامة، من الشارع إلى الملاعب، ومن المدرجات إلى شاشات التلفزة التي تنقل هذه المشاهد إلى كل منزل.
لقد سقطت أمس مقولة إن جمهور كرة السلة أكثر حضارة من جمهور كرة القدم، لأن القضية لم تعد قضية لعبة، بل قضية سلوك وقيم واحترام للآخر. فالجمهور الذي يرفع صوت الشتيمة فوق صوت التشجيع لا يسيء فقط إلى الفريق المنافس، بل يسيء إلى صورة الرياضة والوطن الذي يمثله.
المسؤولية هنا جماعية، ولا يجوز اختزالها ببعض المشجعين فقط. الدولة تتحمل مسؤولية غياب الحزم في ضبط السلوك العام، والاتحادات مطالبة بوضع قواعد واضحة وعقوبات رادعة، وإدارات الأندية مطالبة بأن تدرك أن قيمة النادي لا تقاس فقط بعدد الجماهير أو بحجم الإيرادات، بل بقدرته على نشر ثقافة المنافسة الشريفة.
إن تحويل المدرجات إلى ساحات للتجريح والسباب تحت شعار الحماس ليس أمراً بسيطاً، بل هو مؤشر على خلل أعمق. فالمجتمع الذي يتسامح مع الانحدار في الملاعب سيجد نفسه عاجزاً عن مواجهة مظاهر الانحدار في السياسة والشارع والمؤسسات.
المطلوب اليوم ليس بيانات استنكار عابرة، بل قرار جدي من الدولة والاتحادات والأندية لوضع حد لهذه الظاهرة قبل أن تتطور إلى ما هو أخطر. فالهيبة لا تُبنى بالشعارات، بل بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، حتى لو تعارض ذلك مع المصالح التجارية أو الحسابات الجماهيرية.
ما يحصل في الملاعب هو انعكاس لما يحصل في المجتمع. وعندما تصبح الشتيمة مقبولة، والفوضى أمراً عادياً، يصبح السؤال مشروعاً: إلى أين نحن ذاهبون؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية ما تبقى من قيم مشتركة؟
الرياضة ليست فقط فوزاً وخسارة، بل تربية وثقافة وأخلاق. وإذا فقدت هذه الرسالة، فإن الخسارة لن تكون لفريق أو بطولة، بل لمجتمع بأكمله.